أكد الرئيس السيسى على أن الرؤية الإستراتيجية المصرية القائمة على تفضيل الحلول السياسية والمسارات الدبلوماسية تُعد الركيزة الأساسية لتجاوز التحديات الراهنة واستعادة الاستقرار الإقليمي؛ حيث يقترن هذا التوجه بالتمسك الراسخ بحماية أمن الممرات الملاحية الدولية وضمان حرية الحركة البحرية بوصفها ثوابت غير قابلة للمساس، نظرًا لاتساقها الكامل مع أحكام القانون الدولي، كما أن الحفاظ على انسيابية التجارة العالمية وصيانة المصالح المشتركة بعيدًا عن تجاذبات الصراع يمثلان غاية قصوى لهذه السياسة، التي تنطلق من مسؤولية تاريخية تهدف إلى إرساء دعائم السلم والأمن في المنطقة وحماية استدامتها.
أعتقد أن ما تم التأكيد عليه يعكس بصورة صريحة نضجًا في التعاطي مع إشكاليات الجيوسياسة المعاصرة، حيث الربط بين “الخيار الدبلوماسي” كمنهجية لإدارة الأزمات وبين “المصالح الحيوية” العابرة للحدود كأمن الملاحة الدولية، وهو ما ينقل الرؤية المصرية من إطارها القومي الضيق إلى فضاء المسؤولية الدولية؛ فصياغة الموقف في قالب القانون الدولي يمنحه شرعية أخلاقية وقانونية تتجاوز الاستقطاب السياسي، ويحول حماية الممرات الملاحية من مجرد شأن أمني محلي إلى ضرورة لضمان استمرارية الاقتصاد العالمي، مما يعزز صورة الدولة كفاعل إقليمي ضامن للاستقرار ومنحاز لمبدأ الشراكة الدولية في مواجهة الفوضى.
وأشار السيد الرئيس إلى أن التحولات المتسارعة في المشهد الإقليمي أثبتت أن تغليب الوسائل السلمية في تسوية النزاعات بات ضرورة حتمية تتجاوز حدود الخيارات الدبلوماسية التقليدية، وذلك لدرء مخاطر الانزلاق نحو الفوضى وضمان استقرار المنطقة، وهي رؤية تتسق مع الموقف المصري الثابت بضرورة إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل وتفعيل منظومة منع الانتشار النووي بشمولية ومساواة بعيدًا عن المعايير الانتقائية، وضرورة صياغة واقع آمن يضمن للأجيال القادمة حقها في التنمية والبناء تقتضي بالضرورة تحييد تهديدات السلاح النووي، التي تظل العائق الأكبر أمام تحقيق سلام عادل ودائم يحفظ للأمن الإقليمي استدامته واستقراره.
أرى أن ما أشار إليه الرئيس السيسى يؤكد تناول عميق لمفهوم “الأمن القومي الشامل”، إذ لم تعد التسوية السلمية مجرد بديل للحروب؛ لكن غدت الضمانة الوحيدة لمنع الانهيار الهيكلي للإقليم، وهو ما يتضح في الربط البلاغي والسياسي الدقيق بين غياب الصراعات المسلحة وبين نزع السلاح النووي كشرطين متلازمين لاستدامة البناء، كما أن نقد “الانتقائية” في تطبيق المعايير الدولية يعكس إدراكًا سياسيًا مصريًا لخلل موازين القوى، ويطرح صياغة جديدة للسلام لا تكتفي بوقف إطلاق النار، وإنما تسعى لتحييد التهديدات الوجودية كالسلاح النووي لضمان بيئة تنموية آمنة، مما يجعل الخطاب السياسي يتجاوز اللحظة الراهنة ليرسم ملامح مستقبلية تحفظ حقوق الأجيال القادمة في العيش ضمن إقليم منزوع الصراعات الصفرية.
شدد السيد الرئيس على أن القضية الفلسطينية تظل المحرك الأساسي وجوهر الأزمات المحدقة بالمنطقة، والركيزة المركزية التي لا يستقيم أمن العالم العربي والشرق الأوسط دون تسويتها تسوية عادلة وشاملة، مبرزًا ضرورة التصدي بصلابة لأي محاولات ترمي لاستغلال حالة السيولة الإقليمية الراهنة لفرض أمر واقع يقوض آفاق السلام المستقبلي. كما لفت سيادته إلى حتمية صون حق الشعوب في التعايش السلمي وفق مقررات الشرعية الدولية، جازمًا بأن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس حل الدولتين يمثل المسار الوحيد لإنهاء الصراع من جذوره، والسبيل الأمثل لقطع الطريق أمام سياسات التصعيد التي تهدد مقدرات المنطقة بأسرها.
يعكس هذا الطرح الرئاسي إدراكًا عميقًا لترابط الأمن القومي العربي باستقرار القضية الفلسطينية؛ حيث جرى توصيفها ليس كملف حدودي عابر، بل كمحرك بنيوي تتحرك على أساسه تفاعلات الصراع والاستقرار في الشرق الأوسط، ويحمل التحذير من استغلال “حالة السيولة الإقليمية” رسالة سياسية شديدة اللهجة ترفض محاولات الأطراف الفاعلة توظيف الأزمات الجانبية لتصفية القضية أو قضم الحقوق التاريخية عبر سياسة فرض الأمر الواقع، مما يبرز دور مصر كحائط صد دبلوماسي يسعى للحفاظ على المرجعيات الدولية ومنع انزلاق المنطقة نحو ترتيبات أمنية هشة تتجاهل جوهر النزاع التاريخي.
تتجاوز الرؤية الرئاسية المصرية في هذا السياق مجرد التهدئة المؤقتة لتصل إلى استراتيجية “تصفير الأزمات” من خلال حل الدولتين باعتباره المسار القانوني والسياسي الوحيد القابل للاستدامة؛ إذ يربط الخطاب بين إقامة الدولة الفلسطينية وبين قطع الطريق أمام القوى الراديكالية وسياسات التصعيد التي تتغذى على غياب العدالة، وهذا الربط يمنح المقاربة المصرية صبغة واقعية تخاطب القوى الدولية بضرورة تبني حل جذري ينهي مبررات التوتر، مؤكداً أن التعايش السلمي لا يمكن اختزاله في تفاهمات أمنية معزولة؛ إذ يجب أن يستند إلى شرعية دولية تضمن للشعوب حقوقها السيادية وتصون مقدرات المنطقة من مخاطر الانفجار الشامل.
استناداً إلى ما تقدم، أرى أن كلمة الرئيس السيسي في قمة نيقوسيا تعد وثيقة سياسية متكاملة وضعت المجتمع الدولي أمام استحقاقاته التاريخية عبر صياغة مقاربة مصرية تتسم بالشمولية والوضوح المبدئي؛ إذ تجاوزت حدود التوصيف النظري لآفات الإقليم لتضع خارطة طريق ترتكز على التلازم البنيوي بين سيادة القانون الدولي وحق الشعوب في التنمية المستدامة، وبدا هذا الحضور المصري الفاعل برهانًا جليًا على أن استعادة التوازن في الشرق الأوسط لا تستقيم إلا عبر الولوج إلى جوهر الأزمات وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مع العمل بالتوازي على تحييد التهديدات الوجودية وصون الشرايين الملاحية الحيوية، الأمر الذي يجعل من الرؤية المصرية حائط صد دبلوماسي يحول دون ارتهان مصير المنطقة لصراعات القوى الكبرى أو مغامرات فرض الأمر الواقع، ويؤكد محورية الدولة المصرية بصفتها الضامن الأساسي لبناء نظام إقليمي مستقر يمتلك القدرة على التعاطي مع تعقيدات الجيوسياسة المعاصرة بمنطق الشراكة لا الهيمنة.
___
أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر

