بين بنك الإسكان والتعمير وهيئة المجتمعات العمرانية… المواطن ليس ساعي بريد..
في كل مرة نتحدث فيها عن التحول الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية، نتوقع أن ينعكس ذلك على حياة المواطنين بشكل مباشر، من خلال تقليل الإجراءات الورقية وتوفير الوقت والجهد. لكن الواقع يكشف أحيانًا عن فجوة كبيرة بين الشعارات والتطبيق، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما يواجهه حاجزو الوحدات السكنية في التعامل بين بنك الإسكان والتعمير وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.
فالمواطن الذي يسدد قسط وحدته السكنية يفترض أن تنتهي مهمته عند دفع المبلغ المستحق والحصول على ما يثبت السداد. لكن ما يحدث عمليًا هو أن عليه أن يتحول إلى ناقل للبيانات بين جهتين حكوميتين، لأن ما يسدده في البنك لا يظهر بشكل مباشر في أنظمة أجهزة المدن الجديدة، ما يضطره إلى الاحتفاظ بالإيصالات الورقية والتوجه بنفسه لإثبات السداد.
السؤال هنا: لماذا لا يوجد ربط إلكتروني كامل بين الجهتين؟ ولماذا يتحمل المواطن عبء غياب التنسيق المؤسسي؟
الأمر لا يتعلق بإجراء بسيط أو استثنائي، بل بمعاملة تتكرر مع آلاف المواطنين. وفي الوقت الذي أصبحت فيه المعاملات البنكية والتحويلات المالية تُنفذ وتُسجل في ثوانٍ معدودة، ما زال بعض المواطنين يقضون ساعات طويلة، وربما يومًا كاملًا، بين طوابير البنك ومكاتب أجهزة المدن لإنجاز مهمة كان يمكن أن تتم إلكترونيًا بضغطة زر.
المشكلة الحقيقية ليست في سداد الأقساط، بل في العقلية الإدارية التي لا تزال تعتمد على الورقة المختومة أكثر من اعتمادها على البيانات الرقمية. فالمواطن لا يجب أن يكون حلقة الوصل بين المؤسسات، ولا أن يتحمل تكلفة الوقت الضائع والزحام وتعطيل مصالحه بسبب غياب التنسيق بين جهات تمتلك الإمكانيات التقنية اللازمة لإنهاء هذه الأزمة.
إن نجاح أي مشروع للتحول الرقمي لا يقاس بعدد الأجهزة أو البرامج التي تم شراؤها، وإنما بمدى اختفاء الطوابير واختصار الإجراءات وتسهيل حياة الناس. أما عندما يظل المواطن مطالبًا بحمل الملفات والإيصالات والتنقل بين الجهات لإثبات عملية سداد تمت بالفعل، فإن ذلك يعني أن التحول الرقمي لم يصل بعد إلى جوهر الخدمة.
المطلوب من المسؤولين في بنك الإسكان والتعمير وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة مراجعة هذا الملف بصورة عاجلة، وإنشاء منظومة ربط إلكتروني فوري تضمن انتقال بيانات السداد تلقائيًا بين الطرفين. فالمواطن الذي يلتزم بسداد ما عليه من التزامات يستحق خدمة تحترم وقته وجهده، لا أن يقضي ساعات من عمره في طوابير وإجراءات كان يفترض أن تصبح من الماضي.
في النهاية، ليست المشكلة في قيمة القسط الذي يدفعه المواطن، بل في الثمن الخفي الذي يدفعه من وقته وأعصابه بسبب غياب التنسيق. وهذا ثمن لا ينبغي أن يدفعه أحد في عصر التحول الرقمي.

