شاب مصري أسمر من قلب نيل بلدنا، يقف على منصة التتويج رافعًا علم مصر، والفرحة تملأ وجوه كل من حوله.. ما أجمل هذا المشهد، وما أجمل أن نرى علم بلدنا يرفرف في سماء البطولات العالمية، بينما يتردد النشيد الوطني في مختلف المحافل.
هذه اللحظات لا تأتي من فراغ، ولا يصنعها بطل بمفرده، لكنها ثمرة سنوات من العمل والتخطيط والدعم، ومنظومة متكاملة تؤمن بالموهبة، وتمنحها الفرصة حتى تصل إلى القمة.
مصر لا تعاني نقص المواهب، ولا تفتقر إلى الطموح أو التاريخ الرياضي، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه دائمًا: لماذا لا نستطيع تحويل هذه المواهب إلى أبطال في مختلف الألعاب؟ ولماذا تظل بعض الإنجازات لحظات استثنائية، بدلًا من أن تكون بداية لجيل جديد يواصل طريق النجاح؟
الحقيقة أن صناعة الأبطال لا تبدأ من منصة التتويج، وإنما من الشارع والقرية والمدرسة ومركز الشباب، حيث توجد مواهب كثيرة تنتظر من يكتشفها، ويأخذ بيدها، ويوفر لها الطريق الصحيح.
هنا تأتي أهمية توصيات منتدى مصر 2026، خاصة ما طرحته جلسة “الشباب والرياضة: من إتاحة الفرص إلى صناعة التأثير” من أفكار تتعلق باكتشاف المواهب، وتطوير مراكز الشباب والمنشآت الرياضية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، ووضع خطط طويلة المدى لصناعة الأبطال.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في طرح التوصيات، وإنما في تحويلها إلى مشروع وطني واضح، لا يظل حبيس الجلسات والنقاشات، بل يصل إلى كل محافظة وقرية، ويمنح كل طفل موهوب فرصة عادلة لإثبات نفسه.
هذا الملف يضع مسؤولية كبيرة على وزارة الشباب والرياضة بقيادة جوهر نبيل، لتحويل توصيات منتدى مصر 2026 إلى خطوات عملية، والبناء على المشروعات القائمة لاكتشاف المواهب ورعاية الأبطال، مع توسيع قاعدة الممارسة الرياضية في مختلف المحافظات.
أرى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى رؤية متكاملة تربط بين اكتشاف الموهبة وتأهيلها ورعايتها، وتضمن استمرار الدعم حتى وصول اللاعب إلى المنتخبات الوطنية ومنصات التتويج، دون إغفال مستقبله بعد الاعتزال، فالنجاح لا يقاس بعدد المبادرات أو الاتفاقيات، وإنما بعدد المواهب التي ننجح في اكتشافها، والفرص التي نوفرها لها، والأبطال الذين تستطيع المنظومة تقديمهم لمصر.
من القرية إلى منصة التتويج.. كيف نصنع البطل؟.. البداية يجب أن تكون بمشروع وطني لاكتشاف المواهب في جميع المحافظات، يعتمد على تطوير مراكز الشباب وتحويلها إلى مراكز حقيقية لاكتشاف اللاعبين وتأهيلهم، بدلًا من اقتصار دورها على ممارسة الأنشطة التقليدية.
يجب أن يكون هناك خطوات أساسية لا غنى عنها لبناء هذه المنظومة:
-وضع خريطة للمواهب في مختلف المحافظات، بالتعاون بين المدارس ومراكز الشباب والأندية والاتحادات، حتى لا تضيع موهبة بسبب بعدها عن المدن الكبرى.
-اختيار المدربين وفق معايير علمية وتأهيلهم باستمرار، مع الاهتمام بالتغذية والإعداد النفسي والتأهيل الطبي، وتحقيق التوازن بين الدراسة والتدريب، حتى لا يضطر اللاعب إلى الاختيار بين مستقبله التعليمي وحلمه الرياضي.
-توفير تمويل مستدام لا يقتصر على دعم الأبطال بعد تحقيق الميداليات، وإنما يمتد إلى رعاية المواهب منذ اكتشافها، مع الاستعانة بالخبرات الدولية في الألعاب التي تحتاج إلى تطوير.
-تنظيم بطولات محلية قوية تمنح المواهب فرصة الاحتكاك والتقييم المستمر، مع فتح قنوات للتعاون والاحتراف الخارجي.
-وضع نظام عادل وشفاف للاختيار، بعيدًا عن المجاملات والمحسوبية، مع توفير الدعم لغير القادرين ماديًا.
-إشراك القطاع الخاص في تمويل الألعاب والاتحادات ومراكز اكتشاف المواهب، من خلال شراكات طويلة المدى.
-الاهتمام بمستقبل البطل بعد الاعتزال، وتوفير فرص التأهيل والعمل والرعاية، حتى لا يشعر اللاعب بأن سنوات عمره التي منحها للرياضة أصبحت عبئًا عليه.
لكن المسؤولية لا تقع على وزارة الشباب والرياضة وحدها، فالوزارة تضع الرؤية وتوفر الإطار العام، والاتحادات والأندية مسؤولة عن اكتشاف المواهب وتطويرها، والقطاع الخاص عليه دور مهم في التمويل والرعاية، بينما يتحمل الإعلام مسؤولية تعريف الجمهور بالألعاب والأبطال. ولا بد أن تمتد مساندة الجماهير إلى كل الألعاب، وليس كرة القدم فقط.
اليوم، أمامنا محطة مهمة في دورة الألعاب الأولمبية بلوس أنجلوس 2028، وهي فرصة لقياس ما تحقق من خطط اكتشاف المواهب ورعاية الأبطال، لكن يجب ألا ننتظر حتى موعد الأولمبياد لنعرف النتيجة.
نحتاج من الآن إلى أرقام واضحة: كم موهبة تم اكتشافها؟ وكم لاعبًا حصل على الرعاية والتأهيل؟ وكم لاعبًا وصل إلى المنتخبات الوطنية؟ وما الذي تغير في مستوى الاتحادات والألعاب المختلفة؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون حاضرة عند تقييم أي مشروع، لأن صناعة البطل تحتاج إلى نفس طويل، ولا يمكن اختزال النجاح في ميدالية أو بطولة، وإنما في بناء قاعدة قادرة على تقديم أجيال متتالية.
ما أتمناه أن تكون توصيات منتدى مصر 2026 بداية حقيقية لتحرك مختلف، وأن تتكاتف كل المؤسسات من أجل مشروع وطني يفتح الباب أمام المواهب المصرية في كل مكان، ويمنحها فرصة الوصول إلى منصات التتويج.
ليس الهدف أن نحتفل ببطل واحد ثم ننتظر سنوات حتى يظهر غيره، وإنما أن نمتلك منظومة قادرة على صناعة عشرات الأبطال في ألعاب مختلفة، وأن نرى علم مصر حاضرًا باستمرار في المحافل الدولية.
ما أجمل أن نرى شابًا مصريًا يرفع علم بلاده، لكن الأجمل أن نعرف أن وراء هذا البطل منظومة اكتشفته وآمنت بموهبته وساندته حتى وصل إلى القمة.
الحلم ليس مستحيلًا، والمواهب موجودة في كل شارع وقرية، لكنها تحتاج إلى من يمنحها الفرصة، ويضع أمامها طريقًا واضحًا نحو النجاح.. فصناعة الأبطال ليست مسؤولية وزارة أو اتحاد أو نادٍ بمفرده، وإنما مسؤولية الجميع.. مصلحة مصر من وراء القصد.

