في عودة للحديث عن أخلاقيات المجتمع وما أصابها من خلل واضح بالعقود القليلة الماضية، نجد أن الأزمة ما زالت مستمرة على أشدها وأن التطور السريع للأسوأ فاق كافة التوقعات.
فخلال الأسبوع الماضي فقط كعينة بسيطة لما يتم تداوله علي منصات السوشيال ميديا والتي بكل تأكيد باتت المرآة التي تعكس صورة المجتمع المصري، كانت هناك صور لا تليق بمصر ولا بشخصياتها العامة وفنانيها الذين هم قوتها الناعمة كما هو المفترض أن يكون.
فقد كان هناك عرض مفتوح لتبادل الإساءات والوعيد بين طرفين مرموقين كلٍ بمجاله بساحات التواصل الإحتماعي التي باتت ساحات للمعارك ومسرحا مكشوفا لجميع الأحداث.
ما يثير الخجل ويفتح باباً لتساؤلات كثيرة حول تلك القضية الشائكة التي تفشت بالمجتمع المصري في الآونة الأخيرة من استخدام ساحات التواصل الاجتماعي لإقامة المعارك وتصفية الحسابات ونشر الفوضى وتأجيج الصراعات.
ناهيك عن تحول روادها الكثر بأحيان كثيرة للتنظير الدائم والتدخلات السافرة بشؤون الآخرين والتعدي على حرماتهم الشخصية بشكل غير مسبوق، كما شاهدنا بالأشهر الماضية ما يتعلق بأدق تفاصيل الحياة الشخصية بحلوها ثم مرها.
وكذلك الجدل الذي حدث بعد أن صرحت مذيعة شهيرة تصريحات انتقدت فيها ملابس الفنانات بمهرجان الجونة السينمائي بشكل قد أثار غضب واستياء الكثيرات، وبناءً عليه اندلعت الاشتباكات وتراشق الاتهامات بين تلك الأطراف على ساحات التواصل الاجتماعي التي باتت مسرحاً مكشوفاً لجميع الأحداث العامة منها والخاصة.
وأخيراً، هذا الاشتباك المقنع بين نجمين من نجوم الدراما، أخذ كل منهما يعلو على الآخر ويتباهى بنسب مشاهداته والتقليل من أهمية زميله تمهيداً لمعركة تكاد تتقد شرارتها الأولي لتشتعل بموسم رمضان القادم، فهذا الشجار والتطاول والتلسين الفج لم يكن يوماً ضمن أخلاقيات النجوم المصريين علي الإطلاق حتي و إن كان هناك دائما ما يسمي بالغيرة الفنية، كما كان هناك دائماً احتراماً معلناً بين زملاء المهنة الذين من المفترض أنهم قدوة للمجتمع .
فضلاً عن جريمة قتل هنا وأخرى هناك بشكل مستمر ، لسبب أو لآخر، حتى تحول إلى خبر عادي ضمن قائمة الأخبار اليومية، إلي جانب الخبر اليومي الذي يتضمن القبض على المسؤول الفلاني والوزير العلاني والموظف الكبير والقاتل الصغير وغيرها من الأخبار التي تقشعر لها الأبدان، حتي تحولت مثل هذه الجرائم البشعة إلي شىء عادي ومألوف اجتماعياً.
نهاية:
فقد تصدرت القدوة السيئة كافة المجالات لدرجة أن هناك أجيالاً بعينها تحولت إلى مجرد ضحايا لهذا السيل من الفساد والرداءة والقبح في كل شىء.
فما علينا بمبدأ تأليب العيش واستباحة كل شىء من أجل المكسب السريع والتغاضي عن قيم و مبادئ لم يعد لها وجود، فأصبحت الفهلوة وربما النصب من مقومات النجاح السريع حتى تحولت الآن إلى أمنية يتنافس على تحقيقها المتنافسون.
ولكن الكارثة الأكبر هي أن القدوة التي كانت لها عظيم التأثير في أجيال الشباب تحولت إلي وباء خطير تحتم علينا منعه وحجبه عن مرأى ومسمع أولادنا.
كيف نمنع إذن هذا الخطر ونغلف أنفسنا بغلاف واق من التلوث السمعي والبصري والحسي؟ وإن فعلنا في البيوت؟ فكيف نمنعه في الخارج سواء في المدارس أو الجامعات أو الأشغال أو وسائل التواصل الاجتماعي بمعظم ما تبثه من مواد رديئة؟
فلن تُبني الأوطان وتستقيم الأوضاع دون عودة القيم والأخلاقيات التي اختفت وتلاشت تحت غبار الفساد والانهيار القيمي والأخلاقي الذي حل بمجتمعنا.

