أرخى الرجل الستارة إذ كان مواطنا عاديا، ومزّقها عندما صار مسؤولاً. لا تحتاج الفطرة السليمة إلى تذكير بالبديهيات، ويجب أن تظل الحدود جليّة تماما بين الخاص والعام.
الحكاية السابقة تعود إلى الشيخ يونس القاضى، المشهور بوضع كلمات النشيد الوطنى «بلادى بلادى»، وكان فى عشرينيات القرن الماضى واحدًا من كُتّاب الأغنيات ذائعى الصيت.
وُلِد الفن فى القصور، وبدأ يحبو نحو النضج فى الملاهى، وفرضت صيغة «غناء العوالم» نفسها على المُنتَج؛ فكان خليعًا فى كثيرٍ من مادّته.
وفعلها القاضى كغيره؛ لكنه عندما تولّى الرقابة تصدّى لخروقاته قبل الآخرين، وكان أوّل ما أتاه من إجراءات أن حظرَ أعماله المُخلّة.
وتكرر الأمر مع نجيب محفوظ؛ إنما لسبب آخر. إذ لأجل أن يتجنّب تعارض المصالح، ويُبعد نفسه عن الشبهة والحرج؛ توقّف عن كتابة الأفلام إبّان إدارته لرقابة المصنّفات الفنية مطلع الستينيات.
والقصد؛ أن لك مُطلّق الحرية فى السلوك الشخصى، إنما عليك قيودٌ خشنة وناعمة فى الوظيفة العامة. أهمها ألا تفرض معاييرك وحدها، أو تُحكّم ذائقتك، ولا أن تنتفع أو تُنَفِّع الأقربين والأصدقاء.
ربما تحلم بأن تكون مُنتج محتوى شهيرًا، أو قريبًا من مشاهير الصنعة. حقّك بلا حدود فى إنتاج أو استهلاك أية بضاعة، رديئة أم جيدة؛ إلا أنه لا يحقّ لك مُطلقًا أن تُسوّقها فى أوقات العمل الرسمية.
وإن جاز الخلط من العوام؛ فلا يُقبَل من النُخبة. وتتعاظَم فداحة الخطأ، عندما يجرى على لسان مَن يدّعون الخبرة والإحاطة، وعندما ينطوى على استخفاف مُزرٍ وتبسيطٍ مُخلّ.
وليس أدلّ على الخفّة، من السير على غير بيّنة، ومن دون تأطير أو تحديد. حتى لَيَختلِط الحابل بالنابل، والغثّ بالسمين، فكأنك إزاء «حاطب ليل»، كما كان يُوصَف أهل العلم غير الثقات قديمًا، مِمّن يضمّون القَيِّم إلى الرخيص المُبتذَل.
قبل عقود تأسّى توفيق الحكيم على تبدّل معايير القيمة، عندما قاس أجر لاعب الكُرة على عائد الكاتب؛ فذاعت قولته الشهيرة: «انتهى عصر القلم، وبدأ عصر القدم».
والقصة تستدعى المُشاحنة الطريفة بين العقاد ومحمود شكوكو، إذ أبدى الأول جهله الصريح بالثانى عندما سُئِل عنه؛ فما كان من الفنان إلا أن تحدّاه بالظهور معًا فى الشارع ليرى أيّهما أشهر لدى الناس.
وبدهاء جارح؛ ردّ المُثقف بدعوة غريمه إلى التنافس مع راقصة؛ ليقيس فارق الإقبال!
لا يخلو الطرحان من وجاهة ظاهرة، وكلاهما مُخطئ فى الجوهر. كأنك تُصرّ على تخطّى المنطق، أو ما يُعرف بمُغالطات المُقارنة، بالجمع بين شيئين لا رابط بينهما، ومن دون مراعاة الطبيعة والوظيفة والسياق.
لا وجه للتسابق بين جرّاح وطبيب تخدير، أو بين مُهندسَين فى تخصصين مُختلفين، ناهيك عن القفز بعيدًا بوضع الطب فى مواجهة الهندسة.
شكوكو والراقصة والعقاد ناجحون، وكذلك الحكيم ولاعب الكُرة. وكلّ منهم يُقاس على زملاء الحقل الواحد، وثراء أحدهم لا ينال من مكانة الآخر!
من المؤسف أن نحتاج لاستعادة مناهج الحبو العقلىّ؛ للإشارة إلى أن الكمّ والكيف من مادتين مُتمايزتين، والمكانة تتحدّد بإحداثيات عِدّة، والذيوع ليس دليلاً على شىء غير الانتشار.
للإعلام وظائف شتّى، وللاتصال الجماهيرى آلية واحدة، قد تتنوّع أشكالها بحسب الوسائل والتقنيات، غير أن بلوغها لا يُحوّل المُتّصل بالضرورة إلى إعلامى أو صاحب رسالة.
وإذا كان يُؤخَذ على المؤسسات التقليدية؛ أنها مُقيمة فى الماضى، ولن أُجادل فى صحة ذلك؛ فلا يليق بمَن يدّعى الإمساك بزمام الحاضر، أو قيادة القافلة إلى المستقبل، أن يشرب من البئر نفسها، أو يُخطّط جنته الرقمية على «ورق الدشت».
حوار فى صالة تحرير هائجة، تنشع منه روائح الحبر، وتُخالطه أصوات الماكينات من بعيد. رُسل التحديث آتون من وراء النجوم؛ ليُفتّشوا عن دعم الدولة، ومأسسة نشاطهم تحت جناحها التنفيذى.
تحرّروا من القيود العتيقة؛ ليُطالبوا بقمع الصحافة عن نقدِهم، أو عرض سوءاتهم، وحبّذا لو أمطرت الموازنة العامة منافع وإعانات بجانب أطباق الجاتوه والساليزون.
ولا أُريد أن يُستَشَفّ من كلامى اللوم على شاب أو فتاة، جرّبوا فأصابوا عن غير قصدٍ أو معرفة. كلهم ضحايا؛ حتى الناجح منهم؛ لأنهم يتشبّهون بقارون عندما قال «إنما أوتيته على علمٍ عندى».
حالة شبيهة بالانفتاح فى السبعينيات، مع اختلاف السياق. ثغرة فى الجدار القديم، يخترقها المُغامر الشوّاف بوعىٍ، وينفذ المئات حواليه بالمصادفة، وتتكفل السيولة بإنجاح الجميع؛ ثم يأتى أوان الفرز.
انفجرت الوسائط؛ فمنحت فرصًا واسعة على المشاع، وما يزال الغربال يُسقِط وينتقى، وعمّا قريب ستصير الحالة كُلها من إرث الماضى، بينما يتوارى البشر الحقيقيون، وتتقدّم نُسَخ افتراضية شبيهة أو مُنافسة.
المهمّ؛ أننا نناقش المسألة من نقطة كانت تصلح فى بدايتها، وبمنطق يخص ما قبل ظهورها أصلاً.
وبعض مَن يلعبون الدور الخداعى، يعرفون للأسف أن المجال العام سائل، وطبيعة التلقّى اختلفت تمامًا، والخوارزميات مع «الاسكرول» والتشغيل التلقائى وأوقات الفراغ، تُراكم أرقامًا لا تدلّ إلا على الوفرة، من دون جَزم بشأن الفاعلية.
وأن يُوضَع بعض الرائجين إلى طاولة، وتحت عنوان «المؤثرون» بأداة التعريف؛ فالمعنى الضمنى أن الداعى لا يعرف، أو يتعمّد التضليل، وأنه يرى سواهم خارج نطاق التأثير، ويختزلُ صناعة الاتصال فى أحد تجلّياتها، بدلاً من توسعة قوس الرؤية.
لا يُحيط الصغار علمًا بالحالة المُعقّدة، وسيمسّهم الغرور قطعًا، ويتجاوز الغبىّ منهم فيما لا يعرف وعلى مَن يجهل مكانته، ولهم العُذر؛ إنما لا يُعذَر الكبار للأسف.
لا يصح أن ننفصل عن العالم؛ وإن فعلنا فسيتجاوزنا قطعًا. تغيّرت طبيعة الاتصال، وأطرافه، وصيغ بناء الرسائل، وتسود الفردانية وقضايا الهامش. ما بعد الحداثة بشّرت بسقوط القضايا الكُبرى، والذاتى الآن لا يقل وهجًا عن الموضوعى والعام.
نحتاج لمقاربة الظواهر دون تعالٍ، وبلا إفراط أو تفريط. البحث والفحص والنقاش، وتطوير لغة مُشتركة، وسد الثغرات الآخذة فى الاتساع.
فرصة عظيمة، مشمولة بمآزق عديدة أيضًا. غنيمة الوصول السهل، وثغرة الانفلات وكسر الأُطر. ومَن معك اليوم قد يكون عليك غدًا، والعكس، والقِيم نفسها رجراجة وتحتاج لمَن يرعاها دون أن يُقيّد حق مُعتنقيها فى الحركة.
لدينا شاب كان يُنتج مواد مُخلّة إلى وقت قريب، وتغيّر، ويُفرط فى حماسة التغيير كما يفعل المُلتحقون بالتيارات المُحافظة بعد عُمر من الخلاعة. يحتاج للإشادة، والتقويم، والمُساءلة الجادة أيضًا؛ لكى لا يصير عبئا على نفسها والمجتمع.
والنماذج كثيرة، ومتنوعة. كفاءة تجاربهم فى اتّساقها مع الزمن وإيقاعه، ونقطة ضعفها أيضًا. يحتاجون للبقاء أحرارا، ونحتاج لتنظيمهم، ومَنحهم فرصًا للتعلّم والتأهيل، ونمذجة أنشطتهم وفق صيغة اقتصادية مُنضبطة ومُقنّنة.
يسهل قياس الانتشار، ولا يُقاس التأثير. الأرقام معيار واضح، وإن عمّمناه؛ ستلتحق الفتاة التى ما تزال تُنتج محتواها الردىء، بالشاب الذى كان معها وتحوّل. ستحضر نماذج «كبّس كبّس»، وطاهيات غُرف النوم، وحالات أخرى شديدة الرداءة؛ ما كان بعضها غائبًا مؤخّرًا للأسف.
أقارب وأبناء عمومة، وأصدقاء ومعارف، وذوو مصالح حالية وسابقة. وحصّة مِمّن لا حضور لهم ولا تأثير؛ اللهم إلا المحبة والهوى لا أكثر.. وما يصح فى جلسات المقاهى؛ يصير سخيفًا عندما يُنقل للمحافل الرسمية.
ربما يُحبّ شخص تلك الحالة، وينزح مُعاونيه من تجربة سابقة، مع حلم بالاستثمار فى شركة للمحتوى ومشاهيره، وتسويق نفسه لأسواق أخرى/ كما جرى بالفعل.. خيارات شخصية تمامًا، ولصاحبها مُطلَق الحق؛ إنما لا يحق لأحد استدعاء الخاص وترقيته على حساب العام.
بعض البديهيات تسقط عمدًا، وكثير من العناوين المُهمّة تُمسَخ بالاستسهال، وتُؤتى أثرًا عكسيًّا. وما يبدأ بحديث المشاهدات، قد يمرّ قريبًا على «لايف» تيك توك، ويُقاس أثره بعدد الورود والأسود، ووفرة التكبيس وكرم الداعمين.

