في زيارتي الثالثة لمدينة وجدة، عاصمة جهة الشرق المغربي، شعرتُ أن المدينة تمنحني فرصة جديدة لأقترب منها، لا من خلال معالمها وحدها، بل من خلال تفاصيل حياتها اليومية: أسواقها، ناسها، ذاكرتها التي تسكن مبانيها القديمة. لذا بحثت عن شيء يتجاوز التعرف إلى معالم المدينة؛ أردت أن أقترب من روحها، أن أمشي في شوارعها وأتأمل وجوه أهلها، أن أرى كيف تعيش ذاكرتها وسط تفاصيل يومها العادي.
ذهبت في جولة برفقة صديقي العزيز محمد شويكة، الناقد والروائي المغربي، وزوجته الفنانة والمطربة الجميلة صباح الزيداني، وصديقهما السيناريست عبد القادر المنصور صاحب الأصول الوجدوية.. معهم، لم تكن الجولة مجرد نزهة، بل رحلة لاكتشاف المدينة من خلال أماكنها التي تحمل آثار الزمن، وصولًا إلى محطتها القديمة التي تقف في قلب الذاكرة الوجدية.
بدأنا جولتنا سيرًا على الأقدام من فندق إيبيس، مقر إقامتنا كضيوف لمهرجان وجدة السينمائي الدولي للفيلم المغاربي، واتجهنا نحو سوق سيدي عبد الوهاب والأسواق الشعبية المحيطة به. كان المشي في حد ذاته جزءًا من متعة الرحلة، فالمسافة بين الفندق والسوق لم تكن مجرد طريق نقطعها، بل فرصة لمراقبة المدينة وهي تمارس حياتها.. تتوالى الواجهات والمحلات والمباني الكولونيالية التي تشكل فصلًا بارزًا من تاريخ وجدة المعماري، تظهر التفاصيل الصغيرة التي قد تفوت من يكتفي بالمرور السريع أو يتنقل من مكان إلى آخر بالسيارة.
مشيت بعين المصرية التي تزور مدينة مغربية، وبفضول من يعرف أن لكل مدينة طريقتها في ترتيب حياتها، وأن الأسواق الشعبية غالبًا ما تكشف عن أهلها أكثر مما تفعل الصور السياحية.
كلما اقتربنا من سوق سيدي عبد الوهاب، اتسعت أمامنا مساحة الحياة اليومية، الأسواق المحيطة به ليست مجرد أماكن للبيع والشراء، إنها عالم متكامل تتجاور فيه السلع والوجوه والأصوات، تختلط فيه الحركة التجارية بعادات الناس وإيقاعهم اليومي. هنا لا تبدو المدينة كأنها تستعد لاستقبال زائر، بل تواصل يومها على طبيعتها، بينما يجد الزائر نفسه داخل المشهد، يراقب ويتأمل ويكتشف.
كنت أتوقف بعيني عند تفاصيل متفرقة، أتابع حركة الناس بين المحلات، أشعر بأن السوق يمنحني فرصة للتعرف إلى وجدة من دون وسيط، وجدة التي لا تقدم نفسها في خطاب مرتب، بل تتركك تكتشفها بنفسك، خطوة بعد خطوة.
انفتح أمامنا الفضاء الكبير لساحة باب سيدي عبد الوهاب، فكان للمشهد وقع مختلف، الساحة، بامتدادها وحركتها، تستحضر في الذهن أجواء ساحة جامع الفنا في مراكش، لا لأنها نسخة منها، بل لأنها تشاركها شيئًا من روح المكان الذي يجتمع فيه الناس حول الحكاية والفرجة. وقفت أتأمل هذا المشهد، وأفكر في أن الروح الشعبية لا تعيش لأنها قديمة فحسب، بل لأنها ما زالت تجد من يصغي إليها. في هذه اللحظة، لم أكن أرى ساحة مزدحمة، إنما رأيت مدينة تتحدث عن نفسها، وتمنح تراثها فرصة للاستمرار وسط إيقاع الحياة الحديثة.
للجدار القديم والبوابة الكبيرة حضور خاص في المشهد، كأنهما يقفان على الحد الفاصل بين زمنين، من دون أن يفصلا أحدهما عن الآخر، شعرت بأن المكان يحمل طبقات من التاريخ، لكن الحياة لم تتوقف عندها، فالساحة لا تزال تستقبل الناس، والأسواق لا تزال تنبض بالحركة، والأصوات تواصل ملء الفضاء.
في صحبة محمد شويكة وصباح الزيداني وعبد القادر، اكتسبت هذه الجولة دفئًا إضافيًا، فمحمد يتعامل مع المكان بعين من يعرفه ويألفه، ويستطيع أن يجعل تفاصيله أكثر قربًا من زائره، بينما يضفي حضور صباح الجميل على الرحلة ألفة تجعل الحديث والمشي ومشاركة الانطباعات جزءًا من متعتها، أما عبد القادر فقد رسم خطواتنا واتجاهاتها وكان كريمًا في معلوماته التي تجعلنا نكتشف وجهًا أخر لوجدة.
كنت أراقب المدينة وأستمع إليهم، وأشعر بأن معرفة المكان لا تأتي من قراءة تاريخه وحدها، بل من صحبة من يحملون صلة به، ومن قدرتنا على الإصغاء إلى ما يقولونه عنه وما يستعيدونه من خلاله.
أراد شويكة أن نتناول الكاران، تلك الأكلة الوجدية التي ترتبط في الذاكرة الشعبية بمذاق المدينة وبساطتها. لكنني اعتذرت، فأنا لا آكل البيض، وهو مكوّن أساسي في هذه الأكلة، أما شويكة، فكان يتحدث عنها بحنين واضح، حنين لا يتعلق بالطعام وحده، بل بما يستدعيه من أيام ووجوه وأماكن.
كنت أستمع إليه وأفكر في أن بعض الأطعمة تشبه الصور القديمة، قد لا يرى فيها الآخرون أكثر من تفصيل عادي، بينما يرى فيها صاحب الذاكرة زمنًا كاملًا.. لقمة واحدة قد تعيده إلى طفولته، أو إلى شارع كان يمر به كل يوم، أو إلى أشخاص لم يعد ممكنًا أن يجتمع بهم حول المائدة ذاتها.
اكتفيت بحبات من البلوط، حبات تحمل مذاق الطبيعة ودفء الغابات، ربما تختزن في بساطتها هذه الصلة القديمة بين الإنسان والأرض، حبات لما تناولتها شعرت أنني شاركت في الحكاية على طريقتي.. لم أحتج إلى أن أتذوق الكاران كي أفهم مكانته لدى صديقي، كان يكفيني أن أرى كيف يستعيده كجسر يصل الإنسان بماضٍ لا يريد أن يفقده.
وربما كانت هذه واحدة من أجمل لحظات الجولة: أن نكتشف مدينة من خلال ما يحب أهلها، وأن نفهم أن علاقتهم بها لا تسكن معالمها الكبرى فقط، بل تمتد إلى الأطباق الشعبية، والأحاديث العابرة، والذكريات التي تبدو صغيرة، لكنها تملك قدرة عجيبة على البقاء.
حكت لي صباح الزيداني كيف كانت وهي طالبة صغيرة بالمدرسة، تستقل القطار من مراكش إلى وجدة برفقة زميلاتها، في رحلات الدراسة، وتركت في ذاكرتها أثرًا لا تمحوه السنوات، وأنا أستمع إليها، شعرت بأن القطار لم يكن مجرد وسيلة انتقال بين مدينتين، بل شريكًا في حكايات الصبا، يحمل ضحكات الفتيات وأحلامهن، ويترك في الذاكرة محطات لا يغادرها الزمن.
في تلك اللحظة، بدا لي أن محطة القطار القديمة التي تجاور الفندق والكاران والبلوط تنتمي، على اختلافها، إلى فكرة واحدة. كل منها يحمل أثرًا من حياة الناس، المحطة تحفظ عبورهم، والطعام يستعيد مذاقاتهم وذكرياتهم، والحديث بين الأصدقاء يمنح هذه الأشياء حياة جديدة، ما يجمعها ليس شكلها أو وظيفتها، بل قدرتها على أن تصل الحاضر بما مضى، وأن تجعل الذاكرة تجربة معيشة لا مجرد حنين بعيد.
على مقربة من الفندق، كانت المحطة القديمة تنتظرنا، اقتربت من مبناها، شعرت بدفء غريب، كأن المكان يفتح لي نافذة على حياة لم أعشها، لكنه يحتفظ بشيء منها. كان إحساسي الأول أن بشرًا كانوا هنا؛ مرّت من هذا المكان رحلات كثيرة، بدأت وانتهت حكايات أكثر، عبر أناس لا أعرف أسماءهم، لكنني استطعت أن أتخيل شيئًا من حضورهم، أستشعر أن المحطة لم تكن يومًا مجرد مبنى يستقبل القطارات ويودّعها، بل كانت جزءًا من حياة مدينة كاملة، ومن تفاصيل بشر تركوا خلفهم ما لا يمكن تسجيله في دفاتر التاريخ.
لعل ما ضاعف هذا الإحساس عندي هو فخر أهل وجدة بمحطتهم، واعتزازهم بمكانتها التاريخية بوصفها أقدم محطة قطار في المملكة المغربية.
أحببت أن أرى هذا الارتباط بين الناس ومكانهم؛ أن يتحول مبنى قديم إلى جزء من هوية المدينة، وأن يصبح تاريخه موضع اعتزاز لا مجرد معلومة تُذكر في سياق الحديث عن الماضي، فثمة فارق بين مكان نعرف أنه قديم، ومكان نشعر بأن أهله يحملونه في ذاكرتهم، ويرونه شاهدًا على تاريخهم وامتدادهم في الزمن.
وأنا، التي تستوقفني الحكايات المختبئة خلف الصور والأمكنة، لم أستطع أن أنظر إلى المحطة بعين الزائرة وحدها، وجدتني أفكر في الذين مروا من هنا، في الرحلات التي بدأت على أرصفتها، في اللقاءات التي انتهت، في الوجوه التي انتظرت عودة أحبائها.. تخيلت مسافرًا يغادر وجدة للمرة الأولى، يحمل في حقيبته أحلامًا أكبر من خبرته بالحياة، وآخر يعود إليها بعد غياب طويل، محمّلًا بما فعلته به السنوات.
تخيلت أمهات يراقبن القطارات وهي تبتعد، وأصدقاء يتبادلون وعود اللقاء، وعابرين لم تكن وجدة وجهتهم الأخيرة، لكنها احتفظت، ربما من دون أن يعرفوا، بشيء من ذكرياتهم.
لا أعرف أيًّا من هذه الحكايات حدث بالفعل، لكنني أعرف أن المحطة كانت قادرة على احتضانها جميعًا، هذا ما يثير اهتمامي في الأماكن القديمة؛ قدرتها على أن تكون شاهدًا على حيوات متباينة، من دون أن تفرض علينا حكاية واحدة أو تفسيرًا نهائيًا.. الجدران ثابتة، لكن ما مرّ بها متحرك ومتعدد، والزمن الذي ترك آثاره عليها لم يكن زمنًا واحدًا، بل أعمارًا كاملة تقاطعت هنا، ثم مضى أصحابها إلى جهات لا نعرفها. لعل عين السينمائية التي تسكنني تجعلني أرى في محطة وجدة القديمة مشهدًا لا يحتاج إلى كثير من الحوار.
تكفي لقطة طويلة للمبنى، وجوه عابرة، خطوات على الرصيف، صوت قطار يبتعد، كي تبدأ الحكاية. فالمكان في السينما ليس ديكورًا محايدًا؛ إنه ذاكرة، وشخصية، وأحيانًا بطل لا ينطق بكلمة واحدة، لكنه يمنح الأحداث معناها. والمحطة القديمة تبدو لي من هذا النوع من الأمكنة التي تستطيع أن تحمل فيلمًا كاملًا، لأن وراءها ما هو أكثر من تاريخ البناء: وراءها البشر، وهؤلاء هم الذين يمنحون الحجر روحه.

