من واقع عشناه بتحدياته وتفاصيله، إلى حاضر نرصد ملامحه، ومستقبل ننتظر أن يحمل للمصريين مزيدًا من الفرص والحياة الأفضل، جاءت رسائل منتدى مصر 2026 لتفتح ملف التنمية من جديد، وتضع الإنسان في قلب المعادلة.
أحيانًا لا تحتاج إلى كثير من الكلمات لتلخيص رحلة طويلة، فمجرد سؤال واحد قد يختصر سنوات من التغيير، ويعيد ترتيب الصورة أمامنا: كنا فين وبقينا فين؟
سؤال يحمل في طياته حكاية وطن واجه تحديات صعبة، وخاض تجارب متعددة، وسعى إلى بناء واقع مختلف، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام سؤال أكثر أهمية: إلى أين نريد أن نصل؟ وكيف تتحول الخطط والطموحات إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية؟
خلال مشاركتي في ختام منتدى مصر 2026، “نظرة لليوم.. رؤية للغد”، بحضور فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ونخبة من كبار المسؤولين والشخصيات العامة، أدركت قيمة هذه التجربة الثرية، التي أعادت التأكيد على أن قراءة الماضي ضرورة لفهم الحاضر، وأن استشراف المستقبل لا يكتمل إلا برؤية واضحة، وعمل جاد، وقدرة على تحويل الطموحات إلى نتائج ملموسة.
لعل أكثر ما لفت انتباهي خلال المنتدى، الفيديو المميز الذي استعرضه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، تحت عنوان “للتاريخ”، متناولًا أبرز الأحداث والمحطات والتحديات التي مرت بها مصر منذ عام 2011 وحتى الآن.
كانت المشاهد بمثابة رحلة عبر الزمن، أعادت إلى الأذهان تفاصيل وأحداثًا ساخنة قد نكون نسينا بعضها مع مرور السنوات، لكنها ستظل حاضرة في ذاكرة الوطن وتاريخه.
الفيديو أعاد طرح مشاهد من مراحل فارقة في تاريخ مصر الحديث، بما حملته من تحديات وتحولات، وسلط الضوء على حجم التغييرات التي شهدتها البلاد والجهود التي بذلتها الدولة لمواجهة الأزمات ودفع عجلة التنمية في مختلف المجالات، بقيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي.
استعادة هذه المحطات لم تكن مجرد عودة إلى الماضي، بل فرصة للتأمل في مسار طويل من التغييرات، وفهم طبيعة التحديات التي واجهت الدولة، وما فرضته من قرارات واختيارات صعبة، فالتاريخ ليس مجرد أحداث نرويها، بل ذاكرة تساعدنا على قراءة الحاضر واستخلاص الدروس، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة لفهم المراحل التي شكلت واقعها الحالي.
بين الماضي والحاضر، جاءت رسائل الرئيس عبد الفتاح السيسي في ختام المنتدى لتؤكد أهمية الحفاظ على الدولة المصرية، والتمسك بوعي المجتمع وتماسكه في مواجهة التحديات. وكانت رسالة “خلوا بالكم من مصر” من أبرز الرسائل التي لخصت أهمية الوعي الوطني، وضرورة الحفاظ على استقرار البلاد، والتعامل مع التحديات بروح المسؤولية المشتركة.
الحفاظ على الوطن مسؤولية الجميع، كما أن بناء الثقة بين مؤسسات الدولة والمواطنين يحتاج إلى المكاشفة والحوار والعمل المستمر من أجل المصلحة العامة، والوعي الحقيقي لا يعني تجاهل المشكلات، بل فهمها ومناقشتها والبحث عن حلول عملية لها، بما يساعد على تصحيح المسار وتحقيق نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
من المشاهد التي أضفت طابعًا إنسانيًا مميزًا على ختام المنتدى، تكريم النماذج المتميزة من الشباب والأطفال المتفوقين في المجالات التعليمية والرياضية وغيرها، في رسالة تؤكد أن النجاح يستحق التقدير، وأن الموهبة تحتاج إلى الرعاية والتشجيع حتى تواصل طريقها نحو التميز.
كان حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على دعم المكرمين وتشجيعهم والشد من أزرهم لمواصلة النجاح لافتًا، في مشهد إنساني يعكس أهمية الاهتمام بالأجيال الجديدة، ومنحها الثقة والدافع لمواصلة التفوق وتحقيق المزيد من الإنجازات.
هذه الحكايات تؤكد أن خلف كل نجاح قصة من الاجتهاد والإصرار، وخلف كل موهبة تحتاج إلى من يكتشفها ويرعاها ويفتح أمامها الطريق، لذلك، فإن تكريم المتفوقين لا يمثل مجرد احتفاء بإنجاز تحقق، بل رسالة إلى كل شاب وطفل بأن العمل الجاد والطموح قادران على صناعة الفارق، وأن المجتمع الذي يقدر أبناءه ويمنحهم الفرصة يساعدهم على تقديم أفضل ما لديهم.
هنا تتجلى القيمة الحقيقية للاستثمار في الإنسان، فالتنمية لا تقتصر على إنشاء المشروعات وتطوير البنية الأساسية، بل تمتد إلى اكتشاف المواهب، ورعاية المتفوقين، وتوفير الفرص التي تمكن الشباب من تحويل طموحاتهم إلى إنجازات، فهؤلاء هم جزء أساسي من مستقبل مصر، وكلما اتسعت أمامهم أبواب العلم والعمل والإبداع، زادت قدرتهم على المشاركة في صناعة هذا المستقبل.
أما على الصعيد الاقتصادي والخدمي، فقد حملت الجلسة الختامية مجموعة من الرسائل والتوجهات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، بعدما أعلن الدكتور مصطفى مدبولي عددًا من التوصيات والتكليفات الحكومية في إطار المستهدفات الممتدة حتى عام 2030.
جاء ملف الأجور في مقدمة الملفات التي تستحوذ على اهتمام الشارع المصري، مع الإعلان عن استهداف رفع الحد الأدنى للأجور من 8 آلاف جنيه إلى 15 ألف جنيه بحلول عام 2030، إلى جانب التوجه نحو زيادة مخصصات الإنفاق على الخدمات المقدمة للمواطنين إلى 4.8 تريليون جنيه.
هذه الأرقام تحمل طموحات كبيرة، لكنها تضع في الوقت نفسه مسؤولية واضحة أمام الجهات المعنية، فالمواطن لا ينتظر الأرقام في حد ذاتها، بقدر ما ينتظر انعكاسها على مستوى معيشته، وقدرته على مواجهة الأعباء اليومية، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار لأسرته، فالمعيار الحقيقي لنجاح أي خطة اقتصادية هو قدرتها على تحسين حياة الناس، وتخفيف الضغوط المعيشية عنهم، وتوفير فرص أفضل للأجيال المقبلة.
في قطاع التعليم، تضمنت التوجهات تطوير 600 مدرسة فنية، وتحسين دخول المعلمين، والعمل على إنهاء الفترات المسائية في المدارس تدريجيًا بحلول عام 2029، وهي ملفات ترتبط مباشرة بمستقبل الأجيال الجديدة وقدرتها على اكتساب المهارات التي يحتاجها سوق العمل.
أما في ملف الإسكان والتنمية العمرانية، فقد طُرحت مستهدفات لتوفير مليون وحدة سكنية خلال أربع سنوات، بالتوازي مع مواصلة التوسع العمراني وإنشاء المدن الجديدة.
في قطاع الطاقة، برزت خطط التوسع في مصادر الطاقة المتجددة، واستهداف الوصول إلى قدرات تصل إلى 30 جيجاوات بحلول عام 2028، إلى جانب تشجيع استخدام الطاقة الشمسية في المصانع والمنشآت الحكومية والمدارس، بما يدعم الاستدامة ويسهم في خفض تكاليف استهلاك الكهرباء.
كلها أمور تؤكد على أهمية إتاحة المجال أمام حوار مجتمعي موسع بشأن برنامج التحول الاقتصادي، بما يسمح بمناقشة الأولويات والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، والوصول إلى سياسات أكثر ارتباطًا باحتياجات المواطنين، مع وضع تخفيف الأعباء المعيشية في مقدمة الاعتبارات.
هذه الملفات تعكس اتساع نطاق الرؤية المطروحة، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في كثرة المستهدفات أو حجم الأرقام المعلنة، بقدر ما يرتبط بوضوح آليات التنفيذ، والالتزام بالجداول الزمنية، وإتاحة المعلومات التي تمكّن المواطنين من متابعة ما تحقق على أرض الواقع، فالفارق بين الخطة والطموح من جهة، والإنجاز الفعلي من جهة أخرى، هو ما يشعر به المواطن في تفاصيل حياته اليومية.
في تقديري، فإن أهم ما أكدته تجربة منتدى مصر 2026 هو أن الاستثمار في الإنسان يظل الركيزة الأساسية لأي مشروع تنموي ناجح، فلا قيمة لمشروع لا ينعكس على حياة الناس، ولا يمكن لأي رؤية أن تحقق أهدافها من دون تعليم جيد، ورعاية صحية مناسبة، وفرص عمل حقيقية، ومساحة تسمح للشباب بالمشاركة والإبداع.
تمكين الشباب ليس مجرد عنوان جذاب، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، فالشباب يمتلكون الطاقة والأفكار والقدرة على الابتكار، لكن هذه الإمكانات تحتاج إلى فرص حقيقية، وتدريب جيد، وبيئة تساعدهم على تحويل طموحاتهم إلى إنجازات.
من هنا، فإن الاهتمام بالمتفوقين والمبدعين، كما شهدنا في ختام المنتدى، يجب أن يمتد إلى برامج مستمرة لاكتشاف المواهب ورعايتها، وفتح أبواب المشاركة أمام الكفاءات في مختلف المجالات.
الدول لا تتقدم بالمشروعات وحدها، وإنما بقدرتها على بناء الإنسان الذي يدير هذه المشروعات، ويطورها، ويضيف إليها، ويحولها إلى قيمة حقيقية للمجتمع.
كما أن التنمية لا تُقاس فقط بما يُعلن عنها من أرقام، بل بما تتيحه من فرص، وما تحققه من تحسن في مستوى الخدمات، وما تمنحه للأجيال الجديدة من أمل في مستقبل أفضل.
إذن، كما قلت سابقًا، فإن سؤال: كنا فين وبقينا فين؟ يفرض علينا النظر إلى الماضي، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية المطاف، فالأهم هو أن نعرف إلى أين نريد أن نذهب، وكيف نستفيد من تجاربنا السابقة في تحديد الأولويات ومواجهة التحديات، وأن تتحول الخطط إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في معيشته وخدماته وفرص أبنائه.
مصر تمتلك الطموح والإرادة، والمستقبل الذي نتمناه لن تصنعه الأمنيات وحدها، بل العمل الجاد والوعي والقدرة على تحويل الرؤى إلى إنجازات يشعر بها كل مواطن.. حفظ الله مصر، ووفق أبناءها إلى كل ما فيه الخير للوطن.

