صدقت التوقعات، وخسر الجمهوريون سباق الانتخابات النصفية فى مجلسَى الكونجرس. ولا مُفاجأة فى الأمر؛ باستثناء قفزات الأرقام واتّساع الفوارق.
كان الاستحقاق أقرب لاستفتاء على الرئيس لا مُفاضلة بين حزبين. وقد هُزِمَ ترامب فى واشنطن؛ إنما لن تكتمل هزيمته إلا فى تل أبيب.
ضيّع سيّد البيت الأبيض شهره الأخير على حملات الدعاية؛ فضيّع به مزيدًا من الفُرص. وضع نفسه على بطاقات الترشُّح؛ فوجّه أكبر ضربة مُمكنة للمُرشّحين.
المُعتاد أن حزب الرئيس يخسر فى مُنتصف الولاية، وتضيق دائرة الاحتمالات أكثر إن كانت معه الأغلبية بالفعل.
فى نحو تسعة عقود لم يُكسَر ذلك غير مرّتين، لظروف استثنائية؛ ومعروف أن الاستثناء يؤكّد القاعدة.
غير أن الضربة ثقيلة وقاسية؛ إذ كان الديمقراطيون فى حاجة إلى أربع مقاعد صافية فى كل مجلس تقريبًا؛ فأحرزوا أكثر منها فى الشيوخ، وأضعافها فى النواب.
وبغضّ النظر عن الهامش، وقد يضيق أو يتّسع خلال الساعات المُقبلة، ولحين الوصول للنتيجة النهائية؛ فالواقع أن الكابيتول صُبِغَ بالأزرق تمامًا؛ ما سيُركّز درجة الاحمرار فى ظاهر الإدارة وسلوكها، ويشرخ البلد أكثر لآخر حُكم السيد دونالد.
يقف الرجل فى مواجهة كونجرس غير صديق، وميّال بثقله فى اتجاه مُضادّ. ما يُمكن أن يُعطّل رؤيته، ويسبب له متاعب يومية، فضلاً عن فرص المناورة والمساومة وممارسة الضغوط المالية والإجرائية.
على أنه تحرّر من قيود الانتخابات، ولا فرصة لديه مُستقبلاً ليخشى عليها، كما أن له صلاحيات سياسية وتنفيذية واسعة، أبرزها “الفيتو”، ويفتقد خصومه أغلبية الثلثين لإنفاذ إرادتهم فوق النقض.
لن تكون الشهور المقبلة أحسن حالاً من سابقتها؛ بل ربما تتعقّد الأمور، وتعلو المخاطر للأسف.
لدينا عجوز بسلطات ضخمة للغاية، وآمال ضئيلة، ويُشبه أسدًا جريحًا قد يتغلّب الثأر لديه، على لَعق الجُرح أو النزف فى صمتٍ.
وما كان الخسران بعيدًا من توقعّاته، وقد أشار إليه سلفًا بما يُعرَف عن مَيل ناخبى مُنتصف الولايات عكس الرؤساء، وتشغيل وزارة العدل فى دراسة السيناريوهات، وإعداد البدائل؛ حال سيطرة المُنافسين.
وثالث الأدلة لا يخلو من ظُرفٍ؛ إذ قال فى مداخلة عبر فوكس نيوز، وقبل أيّام من التصويت، إنه “سينتقل لإسرائيل، ويتولّى حكومتها”؛ إن أحس الأمريكيون بالسأم منه.
وهُنا أصل للفكرة الافتتاحية. هُزِم الرئيس بالفعل، وكانت بادئة الهزيمة عندما استمع لنتنياهو، ورئيس الموساد ديفيد برنياع، خلال فبراير الماضى، وانجرّ خلفهما إلى الحرب مع إيران.
وما تزال الثغرة المفتوحة عبر الدولة العبرية، قائمة على حالها. ما يزال بإمكانه إدارة الصراع من قناة بديلة، ولن تُصادَر منحةُ القدر له إلا بحسم الحكومة الصهيونية الجديدة.
وعليه؛ فالربط حتمىّ بين الانتخابات فى البلدين. إذ يتعلّق مصير الماكرَين هُنا وهناك، ويتخادمان لمصالح ظرفية ذات طابع شخصى. بدءا من الاستدراج للحرب، مرورًا بدعم ترامب لـ”بيبى”، وإلى مساعى تحريف الدراما، ووضع العصىّ فى الدواليب.
سيُعوّل ضبع الليكود على حليفه الأكبر فى إسناد موقفه، والضغط لإبقائه بحكومة وحدة وطنية أو تحت أية صيغة مُتاحة، فيما يُسدد المُقابل بلعب “الأدوار القذرة” كما وصفه المستشار الألمانى سابقًا، وفكّ قيود الكونجرس المُحتملة عن عُنق سيد البيت الأبيض.
ستُحاول الأغلبية الجديدة تقويض خيار الحرب؛ فيما يظل الرئيس قادرًا على افتتاح مواجهات طارئة، والفوز بمُهلة الشهرين قبل إنهائها وتجديد العدّاد.
وإلى ذلك؛ فلديه احتياطىّ وافر من “جيش الدفاع”، يُمكن أن يُحرّكه بقرار من حكومة الليكود أو بديلها المُنتظر، وأن يُجبر المُشرّعين الأمريكيين على تمويل الحرب نفسها؛ ولو تحت عنوان آخر/ مساندة إسرائيل.
والأهم؛ أن النتائج ما غيّرت شيئا حتى اللحظة. لن ينعقد الكونجرس الجديد قبل شهرين من الآن، وإلى تلك المحطّة تظل الأغلبية على حالها، وحركة الرئيس تكاد أن تكون مُطلقة.
وخلال فترة الارتياب؛ ستكون الصورة قد اتّضحت فى تل أبيب، سواء بالحفاظ على أصله الاستراتيجى مُمثّلا فى ائتلاف اليمين، أو تشكيل البديل وضبط العلاقة معه، والإمساك بمفاتيح آيزنكوت ومجموعته المُتوقّعة.
والمخرج الوحيد؛ أن تُستكمَل الخسارة على الأراضى الأمريكية، بنجاح أحزاب التغيير الصهيونية فى بناء حكومة مُضادّة لخيارات نتنياهو، تنحاز للتعقُّل باستراتيجية واضحة، وتملك الاعتراض على خيارات الراعى الأبيض.
وما لم تُنجَز العملية بإطاحة الليكود وحُلفائه الحريديين؛ فإن أى طرحٍ آخر سيُبقى المُعادلة القائمة على حالها: استنساخ حكومة السابع من أكتوبر، أو بقاؤها مع تعديل طفيف، أو استمرار الذئب فى رعاية الغنم تحت عنوان “تسيير الأعمال”، مع الذهاب للصناديق مُجدّدًا.
وكُلّها تُتيح لترامب أن يواصل حروبه بالكفاءة نفسها، وأن يقفز على كل مانعٍ يرفعه الديمقراطيون، فكأنه يُضيف لسلطته الدستورية الواسعة فى الشؤون الخارجية، جيشًا آخر لا يتقيّد بالدستور أصلاً أو إرادة الناخبين ومَن يُمثّلونهم.
استقبلت الأسواق النتيجة بحذرٍ وارتياب. تراجعت الأسهم، واختلطت الألوان، وستستقر من دون شَكّ؛ إنما المعنى أن الانتخابات عقّدت الأمور، ولم تُيسّرها أو تُفكَك عُقدها القديمة كما يتوهّم البعض.
ترامب مِمّن لا يعترفون بالهزيمة، وينسبونها إلى أى سبب آخر، ثم يبحثون عن الثأر. ولن يرى سوء إدارته، ولا انعدام كفاءة رجاله، بقدر ما سيُحمِّل المسؤولية لعمائم إيران، وسيسعى جاهدًا إلى إسقاطها عن الرؤوس، أو جزّ الأعناق أصلاً.
غالب الظنّ أن الوساطة الحالية لن تنجح فى إطفاء النار، أو تقريب المواقف. الحرب عائدة على الأرجح، والضربة لن تقل أثرًا عن مثيلتها فى صناديق الاقتراع.
نجح الملالى فى رهان تقطيع الوقت على أمل استنزاف الشعبية؛ إنما فات عليهم أنهم خسروا أيضًا، وتضاءل هامش المناورة لديهم، وقدرتهم على الاحتمال.
وصل حائك السجّاد إلى العُقدة الأخيرة، ولا مُشترٍ فى الأفق. وركّز تاجر البازار على إرهاق زبونه المُسلّح؛ فعزّز فيه شهوة السلب والتطويع الخشن.
أمّا سفّاح تل أييب؛ فالرياح ليست فى أشرعته، ويحتاج إلى اختراعها، أو إحراق المراكب أصلاً. ما يزال يحاول تفتيت المعارضة، أو إغراء زعيمها، ولا يتوقف بينهما عن مساعيه لسرقة الجميع بمعركةٍ عاجلة.
الحرب على الأبواب؛ إذ تواطأت أطرافها جميعًا على إرجائها، وما أخلص أحدهم النيّة فى إنهائها أو تسويتها بصفقة عادلة.
مُنازلة بين جرحى ينزفون، ويُعوّل كلٌّ منهم على شىء أكبر من الدم، ولا يفوقه إلا الاستسلام أو الموت. وعندم يتقدّم الإلغاء على التعايش، ويُرهَن الوجود بالبقاء؛ فلا يعود الصدام خيارًا، ولا القرار حرًّا، ومن تلقاء نفسها تُقرَع الطبول.

