لم أصدق، ولم يصدق معي ملايين المصريين والعرب، ما أعلنت عنه البرامج الرياضية عقب انتهاء مباراة وادي دجلة والإسماعيلي بهزيمة “الدراويش”.. وهبوطه إلى دوري المحترفين (دوري الدرجة الأولى). كان الإعلان الذي تلاه مقدم البرنامج التحليلي عقب المباراة بمثابة بيان نعي ووفاة لفريق لم يكن مجرد ناديٍ رياضي، وإنما جزء من ذاكرة وتاريخ مصر، وجزء من تاريخ النضال والكفاح الوطني طوال سنوات النكسة في يونيو 1967.
لا أحد في مدينة الإسماعيلية وباقي محافظات مصر يصدق “النبأ الحزين” و”الخبر المشؤوم”؛ فالإسماعيلي من دوري الأضواء والشهرة طوال 64 عاماً دون انقطاع إلى دوري المحترفين، وربما إلى المجهول وطريق التيه والضياع، مثلما تاهت فرق شعبية عريقة مثل الأوليمبي والترسانة والمنصورة وطنطا، ومثلما يهدد الضياع فرقاً أخرى على حافة الهاوية كالاتحاد السكندري (سيد البلد) والمحلة (فلاحي مصر)؛ وكلها فرق ساهمت في انتشار اللعبة الأولى في مصر وتوسيع قاعدتها الجماهيرية منذ الستينيات والسبعينيات والثمانينيات.
لأول مرة منذ موسم 1957/ 1958 يهبط الإسماعيلي رغم كل المؤشرات وإنذارات الخطر وصيحات الجماهير العاشقة والمحبة لـ “برازيل مصر” للسادة المسؤولين المعنيين طوال السنوات الست الماضية بضرورة التدخل لإنقاذ الإسماعيلي من دوامة الضياع.. لكن “لا حياة لمن تنادي”.. حتى تم إعلان الوفاة والهبوط وسط أحزان ودموع جماهير الإسماعيلي ومحبيه في مصر وخارجها. وتسلطت كاميرات الملعب على لافتة رفعها أحد مشجعي الدراويش: “حسبي الله ونعم الوكيل في اللي وصلنا للحال ده..”؛ جملة أوجزت حال النادي والفريق طوال السنوات الماضية، وأشارت إلى من تسببوا في مأساته!
هبط الإسماعيلي، فاكهة الكرة المصرية وروحها، منذ أن عاد للدوري الممتاز عام 62 لينافس كبار اللعبة ويصبح هو الضلع الثالث في مثلث الرعب الكروي مع الزمالك والأهلي، ويتفوق على الفريقين التاريخيين. هنا التاريخ يتحدث بفخر واعتزاز عن الإسماعيلي الذي فاز بدرع الدوري العام موسم 1966/ 1967 بفريق من “سحرة الكرة” وأمهر من عرفتهم كرة القدم في مصر، وهم: عبد الستار عبد الغني، وشحته، وسيد السقا، والعربي، وسيد حامد، وعلي أبو جريشة، وعبد الرحمن أنوس، وحودة ليستون، وأميرو، وسيد عبد الرازق، وريعو، ومصطفى درويش، ونصر السيد، ومرسي السناري، وطلب فرغلي، ومحمد معاطي، ومحمد نصر، وهنداوي، بجانب بعض لاعبي الأندية المصرية، على رأسهم رفعت الفناجيلي، ومصطفى رياض، وفاروق السيد، وبهاء غريب، وعز الدين يعقوب.
تقع النكسة، ويتوقف نشاط كرة القدم في مصر، وتبدأ عمليات تهجير أهالي مدن القناة إلى القاهرة وباقي محافظات مصر، ويتخذ الإسماعيلي مقراً مؤقتاً في مركز شباب الجزيرة، ثم يقرر نادي الزمالك اعتبار النادي هو الملعب الرئيسي لفريق الدراويش في مباريات بطولة أفريقيا للأندية أبطال الدوري.. فهو الفريق المصري الوحيد الذي أدخل البهجة والفرحة إلى القلوب الحزينة والمنكسرة عقب نكسة يونيو. ورغم الظروف الصعبة، يفوز الإسماعيلي بأول لقب أفريقي لمصر وسط أكثر من 140 ألف مشجع في استاد ناصر الدولي (القاهرة لاحقاً عقب تغيير اسمه)، وفرح ملايين المصريين بفوز سحرة الكرة “برازيل مصر” الذين أهدوا الشعب المصري فوزاً نفسياً للخروج من الحالة النفسية السيئة، وكان أحوج ما يكون إليها في ذلك التوقيت؛ فلم تكن وسائل الإعلام وقتها تعرف شيئاً عن الفرق المصرية الأخرى، بل كانت أخبار النادي الإسماعيلي هي المتصدرة لصفحات الجرائد والصحف والراديو والتليفزيون، مساهمةً في رفع الحالة المعنوية للشعب المصري.
وتكشف صفحات التاريخ المشرق لبرازيل مصر عن لحظات مضيئة لا يعرفها الكثيرون؛ كانت أول برقية وصلت إلى الإسماعيلي من الزعيم جمال عبد الناصر بالتهنئة ببطولة أفريقيا، فقد كان يتابع مباريات الفريق وهو من طلب منهم في لقاء رئاسي الحصول على بطولة أفريقيا حتى تساعد الشعب المصري والعرب على تجاوز محنة نكسة 67. وتحدث عن أسطورة الكرة الساحر “رضا” الذي كرمته ملكة هولندا بعد المشاركة ضد فريق بلادها. انهالت برقيات التهنئة على الإسماعيلي من كل صوب وحدب، ويصدر الرئيس جمال عبد الناصر مرسوماً بإهداء نيشان الرياضة من الدرجة الأولى إلى رئيس النادي وإدارييه، ونيشان الرياضة من الدرجة الثانية إلى لاعبي النادي، ومنح النادي وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى بعد فوز الفريق كأول نادٍ مصري ببطولة الأندية الأفريقية أبطال الدوري، وهو تكريم رئاسي لم يحصل عليه إلا نادي الإسماعيلي إدارةً ولاعبين وجماهير في 13 يناير 1970.
وفي حفل كبير يوم 11 يناير 1970، أهدى النادي الإسماعيلي كأس أفريقيا إلى الوزير صلاح الشاهد، كبير أمناء رئاسة الجمهورية، ليحمله إلى الرئيس جمال عبد الناصر، كما يذكر المؤرخ الدكتور عاطف درويش في “موسوعة الدراويش”. ويقرر الرئيس جمال عبد الناصر أن يكون للنادي الإسماعيلي دور وطني في المجهود الحربي؛ فقد كان يعرف قيمة “الدراويش” والشعبية التي حققها في مصر والدول العربية، وقام الفريق بجولة خارجية لعب خلالها في أكثر من 10 دول عربية على ثلاث مراحل، وخصص إيراد تلك الجولة لصالح المجهود الحربي، مثله مثل سيدة الغناء العربي وكوكب الشرق أم كلثوم.. الإسماعيلي في الرياضة وأم كلثوم في الفن لصالح المجهود الحربي.
الجولة تمت على ثلاث مراحل؛ المرحلة الأولى: الكويت وقطر والبحرين والعراق ولبنان. وفي عددها الصادر بتاريخ 19 فبراير 2010 تنشر صحيفة الأيام صورة للمقصورة الرئيسية لملعب المنامة، الحضور فيها من كبار الشخصيات والوفد الإعلامي المصري فيما يبدو، وفي الصورة الزميلان حسين ضيف وماجد العرادي المحرران بجريدة الأضواء البحرينية التي كانت تصدر آنذاك. أما الصورة الأخرى فهي لفريق الإسماعيلي المصري الذي ضم بين صفوفه “البوري” (الأولمبي)، و”الكيلاني” (الاتحاد)، و”مصطفى رياض” (الترسانة). ولعب الفريق في البحرين مباراتين؛ الأولى أمام المنتخب الوطني تحت رعاية المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة والتي انتهت بفوز الإسماعيلي 1/صفر أحرزه أنوس، وفي المباراة الثانية أمام “المحرق” وانتهى اللقاء لصالح الإسماعيلي بعشرة أهداف مقابل أربعة. وترأس بعثة الإسماعيلي المرحوم عثمان أحمد عثمان.
كان فريق النادي الإسماعيلي أول فريق مصري يزور البحرين، وذلك في إطار دعم المجهود الحربي المصري وزيارة عدد من دول الخليج عام 1968. والمرحلة الثانية: ليبيا والجزائر وتونس والمغرب. والمرحلة الثالثة: السودان والسعودية؛ وقدموا أروع العروض في الفترة ما بين نوفمبر 67 حتى مارس 68، وجمعوا خلالها 65 ألف جنيه إسترليني (كانت تشتري حوالي 130 كيلو ذهب أي ما يقرب من مليار جنيه). لم يتوقف عطاء النادي الإسماعيلي وإسهامه في مرحلة الكفاح والنضال وإزالة آثار العدوان؛ فقد قام بجولة ثانية في الشارقة ودبي وقطر وأبو ظبي والبحرين في يناير 1969 حتى مارس، قبل العودة للعب كأس أفريقيا والفوز بها كأول نادٍ مصري وعربي يحصل عليها.
وفي يوليو 1970 سافر الإسماعيلي إلى تونس للمشاركة في دورة الصداقة الدولية وفاز بها بعد الفوز على الترجي في عقر داره، وتبرع بمردود الدورة لصالح المجهود الحربي، ثم سافر في 30 أبريل 1971 إلى ألمانيا ليخوض خمس مباريات ودية مقابل 1500 مارك ألماني تبرع بكل إيرادها لصالح المجهود الحربي، ثم سافر في 20 يوليو 1971 إلى السعودية ليخوض أيضاً لقاءات قوية مع منتخب مناطق المملكة، واستقبل الفريق الملك فيصل، ولأول مرة يستقبل فريقاً كروياً لمدة 45 دقيقة، كان كل الحديث فيها عن مشكلة الشرق الأوسط والأطماع الصهيونية وكيفية نهوض العرب من كبوتهم، ثم عاد إلى السعودية في يوليو 1972 لزيادة التقارب مع الشعوب العربية.
لا يتذكر التاريخ أي مساهمات دولية خارجية إلا للنادي الإسماعيلي الذي قدم صورة مضيئة مشرقة للشباب المصري والرياضة المصرية، وصورة من صور القوة الناعمة المصرية بقيادة عثمان أحمد عثمان؛ فقد أذابت الجليد في العلاقات المصرية العربية التي توترت بعد نكسة يونيو، وحرص كل ملوك وأمراء الدول العربية على استقبال بعثة الدراويش وإدارته، ودارت خلالها الكثير من الأحاديث الودية حول ضرورة عودة الأشقاء العرب إلى التجمع والوحدة، وكان من ثمار تلك الجولة التمهيد لعودة العلاقات المصرية العربية إلى أفضل حالاتها والتي وصلت إلى ذروتها في الدعم العربي اللامحدود خلال حرب أكتوبر المجيدة.
كان على رأس مستقبلي الإسماعيلي في تلك الجولات: الشيخ صباح السالم أمير دولة الكويت وولي عهده الشيخ جابر الأحمد الصباح، والشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير دولة البحرين، والشيخ خليفة بن علي نائب حاكم قطر، وعبد السلام عارف رئيس الجمهورية العراقية، والفريق طاهر يحيى رئيس وزراء العراق، والرئيس شارل الحلو رئيس لبنان، والرئيس إسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة السوداني ورئيس الوزراء، والملك إدريس الأول ملك ليبيا، وعبد الحميد البكوش رئيس الوزراء.
هذا هو الإسماعيلي أيها السادة الذين أهملتم النادي حتى أصبح يواجه شبح النهاية والهبوط في ذكرى مرور 105 عاماً على تأسيسه تحت مسمى “نادي نهضة مصر” في 13 إبريل عام 1921؛ الإسماعيلي الذي ارتبط اسمه بفكرة المقاومة الشعبية حتى ثورة يوليو 52، وبناه أبناؤه بتبرعاتهم الذاتية، وبلغت تكاليف إنشاء النادي الإسماعيلي 6453 جنيهاً تبرع بها الأهالي والتجار من أجل إنشائه، ويصبح اسمه “الإسماعيلي” نسبة إلى المدينة عام 24، وعضواً في اتحاد كرة القدم عام 26. الإسماعيلي أول نادٍ مصري بالإسماعيلية حيث كانت جميع الأندية الموجودة في ذلك الوقت تابعة للجاليات الأجنبية في الإسماعيلية ومنطقة القناة. استطاع الإسماعيلي أن يكون الفريق المصري الأول الذي توج ببطولة أفريقيا، والفريق الوحيد من خارج القاهرة الذي استطاع الفوز بالدوري العام المصري 3 مرات وكأس مصر مرتين؛ تاريخ عريق ومجيد وطنياً ورياضياً لفريق الدراويش أو “برازيل مصر”.
فالصدمة كبيرة، والحزن والأسى على ما وصل إليه الفريق يجب أن يهز أركان المنظومة الرياضية في مصر، والأمر يستدعي التحرك سريعاً لوضع خطة إنقاذ حقيقية لنادي الوطنية الحقيقي.. الإسماعيلي.

