عندما انتهيت من قراءة الرواية الأخيرة للروائي والكاتب الصحفي والفنان التشكيلي الصديق ناصر عراق «عذارى وتوابيت»، داهمتني على الفور، بقسوة وبلا رحمة، أسئلة مفجعة حزينة، منها ما كتبه الشاعر الراحل نزار قباني: «كيف تموت الدمعة في الأحداق؟.. كيف يموت الحب وتنتحر الأشواق؟»، ومنها: كيف يموت الحلم والأمل بعد أن نُسجت خيوطه، وزُرعت وروده، ورُسمت حدائقه وبساتينه في قلوب عاشقين تطايرت سنوات عمرهما انتظارًا للحظة اللقاء المستحيل.
تنفجر تلك الأسئلة مع لحظة النهاية وموت البطلة الطبيبة «نبيلة حسنين أبو إسماعيل» محترقةً في شقة الزوجية المحتملة، قبل تحقيق حلمها بالزواج من حبيب العمر، مخرج الدراما التليفزيونية «أكرم سعد الشواف».
الرواية عامرة بالمشاعر والأحاسيس المتأرجحة بين الرومانسية المفرطة والواقع الاجتماعي الصعب، بين نبيلة وأكرم، متجاوزةً سنوات العمر؛ فنبيلة قد بلغت الخامسة والأربعين من عمرها، وهي طبيبة مرموقة ناجحة في مهنتها ووظيفتها بجامعة حلوان، وتسكن حي المعادي الراقي والهادئ. تلتقي بأكرم في إحدى الندوات الفنية عن أحد مسلسلاته، وتبدي في مداخلة إعجابها بالعمل، ويتعارفان ويتبادلان أرقام الهواتف من باب المجاملة، لتنبت في القلوب زهرة الحب عبر الأثير بين القاهرة، حيث تعيش، ودبي حيث يعمل.
البطلة، للمرة الأولى، تشعر بالحب وبالمياه العذبة التي تدفقت في نهر أنوثتها الراكد. تتمسك بالارتباط به والزواج منه، لكنها تصطدم برفض العائلة، وخاصة الأم المتسلطة والمسيطرة على الشقيقات العانسات بعد وفاة الأب الطيب الحنون، والتي تصف أكرم دائمًا بأنه «العجوز المتصابي الذي يلهث خلف نزواته ولا يخجل من نفسه!».
أسئلة فلسفية كثيرة حائرة يطرحها ناصر عراق في روايته المشوقة، التي تمزج بين عالم الإنسان بتعقيدات وتشابكات علاقاته العاطفية والزوجية والاجتماعية عمومًا، وبين عالم الحيوان بأسراره المدهشة وخصائص العلاقات فيه بين الذكر والأنثى، وخاصة بين الأسد وزوجته وأبنائه، والقردة والنمر والفهد، التي تتشابه إلى حد بعيد في صفاتها وعلاقاتها مع الأنثى بعالم البشر، كما جاء على لسان أبطال الرواية والحوارات التي تدور بينهم.
فأكرم، الذي يعيش في دبي والعاشق لتلك المدينة الساحرة، تربطه علاقة صداقة قديمة مع الطبيب البيطري العاشق والخبير بعالم الحيوان، الدكتور جمال صادق، الذي يعمل بحديقة الحيوان بدبي، والدكتور هشام القاضي، طبيب الغدد الصماء بأحد المستشفيات الخاصة بدبي.
«متى ستموت أيها الموت؟ ومع ذلك، فإن موت حمزة الصادم المفاجئ جعلني أكتشف من جديد المكر الشديد للموت، فهو أكبر من كل كبير… أكبر من الشباب… من القوة… من النجومية… من النجاح… من المال… من الأبوة… من الصحة. إنه أكبر كائن غير مرئي على مر التاريخ. إنه أشرس قاتل محترف يختبئ تحت جلدنا، يكمن صامتًا فترات زمنية غير معلومة».
«لماذا دفعتني يا الله لاقتراف هذه الجريمة؟ بل لماذا خلقت الشيطان ليغرينا بوسوساته؟ لماذا جعلت الجحيم في الأرض كما في السماء؟ إن استلقاء نسرين في حضن رجل آخر هو الجحيم ذاته، بل أشد. هل سيسأل: ما الحكمة في أن تحرق كبدي على زوجتي وتدفعني إلى قتلها؟ لماذا تخفي حكمتك عنا؟ بل لماذا تخفي نفسك عنا يا الله؟».
بلغة عربية بديعة وبلاغة فائقة، تتدفق سطور وكلمات الرواية عاكسةً لهفة وعشق المؤلف لعالم الحيوان والتاريخ والسفر والسينما والفن عمومًا، وعالم الطهي أيضًا.
فالرواية زاخرة بالحوارات العميقة عن تشابه سلوكيات الحيوان مع الإنسان، وكيف يتشابه ذكر الحيوان مع الرجل بصورة مذهلة، وخاصة في علاقته مع الأنثى التي تسعى إلى الإنجاب فقط، بينما ينشد الرجل ويهفو دائمًا إلى الحب والحياة الحميمية المشتعلة والمتدفقة حتى مع تقدم العمر ورفرفة السنين، وكيف تسعى الأنثى، مع امتلاك المال، إلى الاستقلالية والتحقق بعيدًا عن حياتها الأسرية، حتى لو كلفها ذلك انهيار تلك الأسرة.
يرسم الفنان التشكيلي ناصر عراق، بريشة الأديب والروائي، شخصيات روايته بدقة متناهية وبدون رتوش. فهذا صديقه جمال صادق، الطبيب البيطري العاشق لعالم الحيوان، الذي سافر للعمل بدبي وتزوج مبكرًا من جارته الجميلة جميهان حمودة، أستاذة التاريخ بمدرسة شبرا الخيمة الثانوية للبنات.
وهو صاحب آراء ونظريات غاية في الغرابة، وخاصة عندما يربط، بيقين وإيمان راسخ، بين المرأة وأنثى الشمبانزي في ارتباطها والتصاقها بأبنائها طوال ست سنوات متواصلة، وبالتالي يرى أن عمل المرأة بعد الإنجاب هو أكبر كارثة لها ولابنها ولزوجها وحياتها العائلية. وقد أقنع زوجته جميهان بالاستقالة من وظيفتها والاستقرار في شقة الزوجية.
هذه الآراء ربما قد يتحفظ عليها البعض، أو لا يعجبه ربط معظم الموضوعات الحياتية للبشر بعالم الحيوانات، لكنها وجهة نظر يجب تقديرها.
جمال يعرف كيف يداعب مشاعر زوجته ويروي مسامعها بورود الكلمات، ولذلك فهو الوحيد من بين أبطال الرواية الذي تمضي حياته في هدوء واستقرار وسعادة إلى حد كبير.
أما هشام القاضي، الذي يصغر أكرم وجمال بنحو ثلاثة عشر عامًا، فيعيش مأساة انفصاله عن زوجته «نسرين بسيوني»، التي طلبت الطلاق وأصرت على تنفيذه قبل عامين، بعد زواج دام نحو 18 عامًا، بدا مستقرًا هادئًا، ونتج عنه أربعة أبناء، أعمارهم موزعة بين مراحل الطفولة والمراهقة والشباب.
ثم اشتعلت نيران الخلافات بينهما بعدما طلبت منه العودة إلى العمل كطبيبة، ثم هجرت غرفة النوم وفراش الزوجية وأصبحت عدوًا له، ثم جن جنونه عندما قررت طليقته الزواج والارتماء في أحضان رجل آخر غيره، فقرر قتلها.
بطل الرواية أكرم الشواف نفسه يعيش ذات المأساة؛ فقد تجاوز الثانية والستين من عمره، ويعيش بمفرده ويعاني الوحدة بعد طلاقه من زوجته منيرة، واستقرار ابنه الأكبر، المهندس نادر، في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، وابنته سوسن التي تقطن مع زوجها في أبوظبي.
وبات وحيدًا يعاني أمراض ما بعد الستين، وتعاوده هواجس الموت الذي اختطف أشقاءه الثلاثة في غضون أشهر قليلة. أصبح يخاف ويهاب الموت، ذلك القاتل الغامض الذي يتسلل بحذر وينقض مقتلعًا جذور الحياة بلا شفقة.
وفي كل مرة يحاصر أكرم نفسه بالأسئلة الحارقة التي تشبه السهام القاتلة: «هل ترغب في الزواج من نبيلة حتى لا تقضي ما بقي من عمرك أسيرًا للوحدة، أم أنك عاشق ستيني أصيل بامتياز؟».
ناصر عراق يعرض للشمس، في روايته الجديدة، جروح فئة ليست بالقليلة من الرجال والنساء، تكابد الشوق وتتفتح في قلوبها ورود العشق في سن متأخرة، وتداعب أهداب الأمل في أن تكتمل قصة الحب، لكنها تصطدم بصخور العنت والعناد والإصرار على إفشال هذا النوع من العلاقات، رغم النية الصافية في كتابة نهايتها بالزواج.
فأكرم ليس وحده، ولكنه لا يشبه صديقه هشام الذي غاص في أزمة طلاقه من زوجته، ونبيلة تقع تحت سيطرة الأم الصارمة المتسلطة الرافضة لزواجها من حبيبها الستيني «العجوز المتصابي الفاشل»، حتى بعد موتها وتركها وصيتها التي تكرر فيها رفضها للزواج، كما رفضت من قبل كل «العرسان» الذين تقدموا لابنتيها الأخريين، صفاء وسامية.
هنا يبدو اسم الرواية ودلالاته «عذارى وتوابيت» ملخصًا للمأساة السوداوية التي عاشتها نبيلة، ثم ماتت محترقة بنيران العناد والرفض وكبت المشاعر؛ فالأم قررت التضحية بقلب ابنتها نبيلة للحفاظ على قلب الابنتين صفاء وسامية، فإذا تزوجت نبيلة وتحررت من تابوت الأم، فسوف يجف قلبا الأخريين في صحراء الوحدة.
الأم المتجبرة القاسية والأنانية وضعت المسكينات العذارى، سامية وصفاء ونبيلة، في تابوت الوحدة والحرمان بعد أن «أطفأت ورود الأنوثة في صدر كل منهن»، فقد جمع عنوان الرواية بين مفردة العذراء أو العذارى بوصفها رمزًا للنقاء والصفاء والجمال، والتابوت بوصفه رمزًا للقهر والموت للمرأة.
الرواية ممتعة ومشوقة رغم سوداوية أحداثها ونهايتها، لكن المؤلف المتمكن وظف تقنيات السرد الحديثة في البناء الدرامي لكي يواصل القارئ قراءتها حتى النهاية، حتى لو كانت صادمة وغير متوقعة.
فهناك رسالة أراد ناصر عراق أن يصرخ بها في وجه المجتمع، بتعقيداته ومواقفه المتناقضة من المرأة العانس ومصادرة حقها في الحب والزواج.
جاءت النهاية الصادمة والمأساوية، حيث ماتت نبيلة في «شقة الحلم المستحيل»، ومات معها الحب، ومات معها كل شيء، ولم يتبق سوى تلك الأسئلة الحارقة والقاتلة بلا إجابة.
تبقى الإشارة إلى تأثر كتابات ناصر عراق بالمكان، فهو بصورة شخصية أحد عشاق دبي التي عاش بها نحو ربع قرن، وجاء ذكرها في غالبية رواياته السابقة.
وفي الرواية الأخيرة لا تغيب دبي عن فصولها، فهي ــ في وجهة نظر المؤلف وعلى لسان بطل الرواية ــ «مدينة الحداثة الدائمة، موطن كل تطور وإبهار، ومهبط الأحلام المشروعة لكل طامح في الثراء السريع».

