وسط تحولات إقليمية كبرى، هناك مؤشرات متتالية تظهر منذ ما قبل الحرب بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى، لكنها تتأكد مع تطورات المواجهة، التى توقفت فيها المعارك لكن الصراع لم يتوقف، ويفترض النظر إليه وقراءته وسط تفاصيل وتقاطعات معقدة، وفى نفس السياق يفترض النظر إلى زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى الإمارات العربية المتحدة، وهى زيارة لم تأت ردة فعل على اعتداءات إيران، فالموقف المصرى من العدوان واضح وحاسم حيث تعتبر مصر أمن الإمارات ودول الخليج جزء من أمن مصر، وبالتالى فالزيارة تحمل رسالة استراتيجية تتجاوز التضامن الدبلوماسى، إلى التضامن العملى، بل وتنسف سرديات أرهق بعض مفكرى بير السلم أنفسهم فى ترويجها وتساقطت فى لحظات.
زيارة الرئيس السيسى للإمارات جاءت فى توقيت «حاسم» و تمثل رداً مباشراً وحاسماً على الاعتداءات الإيرانية على سيادة الإمارات، والاعتداءات التى تمس أمن الخليج، وعندما أعلن الرئيس أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن مصر» نحن أمام عقيدة سياسية تُترجم لأفعال وليست مجرد شعارات، وبالتالى فإن قول السيسى إن «ما يمس الإمارات يمس مصر» يعكس عمق تفهم التحرك تجاه الأزمات الكبرى حيث تتمسك مصر برؤية واضحة تجاه أزمات المنطقة مثل ما يجرى بالسودان وليبيا والقضية الفلسطينية.
ثم إن الاستقبال الأخوى من الشيخ محمد بن زايد يعكس مستوى الثقة الاستثنائى بين القيادتين، ويسهل إدارة الأزمات المعقدة بعيداً عن البروتوكولات التقليدية.
وقبل الحروب الحالية ومنذ سنوات تطرح مصر والرئيس السيسى رؤية تدعو إلى تأسيس نظام إقليمى يقوم على التوازن والاستقلالية، وبناء نظام قادر على معالجة ضعف واختلالات النظام الدولى، هذا النظام الذى عجز عن منع أو إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو الحرب على غزة، أو الصدام مع إيران، حيث سبق ودعت مصر إلى أن تكون الدول العربية قادرة على صياغة قراراتها وحماية مصالحها بعيداً عن هيمنة القوى الخارجية أو القوى الإقليمية التوسعية.
ويسبق قبل أكثر من عقد أن دعا السيسى إلى تعزيز العمل العربى الجماعى ووجود «قوة ردع» «سواء سياسية أو أمنية» تمنع التدخلات الخارجية وحروب الوكالة التى تستنزف ثروات المنطقة، وقد أثبتت التحولات الأخيرة عدم قدرة النظام الدولى الذى تنفرد به الولايات المتحدة ما بعد الحرب الباردة عن التدخل لحل الأزمات بل تعقيدها، فى حين يفترض بناء نظام إقليمى يعالج الأزمات من خلال توازنات، وأن يرتكز النظام الإقليمى الذى تطمح إليه مصر على دعم مفهوم «الدولة الوطنية» ومؤسساتها الرسمية، ورفض التعامل مع الميليشيات أو الكيانات غير الرسمية التى تزعزع الاستقرار، بحيث تصبح المنطقة مركزا للاستقرار والتنمية، من خلال مسارات سياسية تنهى الصراعات المعلقة وتفتح الباب لإعادة الإعمار «مثل مبادرات إعمار غزة وليبيا».
وقد أطاحت المواجهة الأخيرة بأوهام نتنياهو حول تشكيل الشرق الأوسط الجديد، كما أطاحت بأوهام طهران حول التحكم فى دول إقليمية من خلال وكلاء، وهو ما يفترض أن يدفع الاحتلال الإسرائيلى إلى التخلى عن أوهام القوة خاصة بعد ظهور اختلالات داخل البنية العسكرية الإسرائيلية، أو الرهان على نظام يعانى من اختلالات داخلية، ونفس الحال فيما يتعلق بإيران، وأهمية أن تنخرط فى نظام إقليمى يضمن التوازن ويخلو من التدخل.
وربما تكون هناك ضرورة لأن يقوم النظام الإقليمى على توازن القوى ومشاركة دول منها مصر والسعودية والإمارات والأردن والعراق وعمان ، وأن تقتنع تركيا وإيران بأهمية «هندسة نظام إقليمى متوازن» يمتلك أدوات القوة والردع، ويحمى السيادة الوطنية للدول، ويمنع تحول المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.ويبدو بالفعل أن المنطقة تعيش مخاضاً لنظام إقليمى جديد تفرضه التحولات الميدانية منذ عام 2023 يغير من شكل وطبيعة التحالفات التقليدية، وينتقل من إدارة الأزمات إلى حلول جذرية «مثل حل الدولتين» الذى أصبح ضرورة إذا كان الاحتلال يريد البقاء فى إقليم يراه معاديا، بينما تساقطت سردية المظلومية من خلال الإبادة والعدوان.
ويقوم النظام الإقليمى الذى تدعو له مصر على التعامل مع القوى الكبرى «أمريكا وروسيا والصين» كشركاء فى إعادة بناء القوى الكبرى بعيدا عن مراحل انفردت فيها الولايات المتحدة بالعالم وانتهت إلى أزمات متتالية.

