مشروع الحرية الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدفه فك الخناق عن مضيق هرمز، وتحرير أكثر من 22 ألف بحار على متن نحو 1550 سفينة تجارية، واستعادة نحو 20 في المائة من النفط والغاز الطبيعي المسال للعالم، بعد أن ظل المضيق مغلقاً إلى حد كبير منذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أي أكثر من 65 يوماً، إلا أن إعلان ترمب تعليق المشروع أمس ليس النهاية، بل إشارة اختبار للقيادات الإيرانية من «حرس ثوري» وغيره.
هذه الأيام تتحرك السياسة في المنطقة على خيط رفيع جداً، فتصريحات رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أمس لم تأتِ من فراغ، حين تحدّث عن دعم الحوار وأمله في اتفاق دائم، بل عكست إدراكاً متزايداً بأن تكلفة الاستمرار في هذا المسار لم تعد محتملة، وإشارته إلى قرار دونالد ترمب بتعليق مشروع الحرية هي قراءة لفرصة تعمل على خفض التصعيد من دون كسر التوازن، ومع هذا يبقى سؤال مطروح: هل يعني ذلك الاقتراب من اتفاق ربما يترك يد إيران طليقة؟ الإجابة ببساطة «لا».
فالاتفاق -إن تم- لا يُبنى على التسليم، بل على الضبط، بمعنى أنه لا يمنح تفويضاً، بل يفرض إطاراً، والحديث عن مذكرة تفاهم من صفحة واحدة، كما نقلت وكالة الأنباء البريطانية «رويترز»، لا يعني اختصار الأزمة، بل محاولة لتجميدها عند حد يمكن إدارته، فلذلك لا تعتبر نهاية للصراع أو الأزمة، بل هي إعادة تعريف لقواعدها.
الولايات المتحدة تدرك بعد هذه الحرب أن السماح لطهران بالتحكم في حركة الملاحة بمضيق هرمز خط أحمر، ولن تقبل به، وتصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تعكس هذا بكل وضوح حينما أكد أنه لا سيطرة إيرانية على الشريان البحري، وهذا يعني أن أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران لن يكون على حساب هذا المبدأ، بل في إطاره.
وقد أشارت دراسة نشرت في عام 2020 للباحثة مهسا روحي، وهي من أصول إيرانية وتعمل في جامعة الدفاع الوطني الأميركية ضمن معهد الدراسات الاستراتيجية، إلى أن لجوء إيران لإغلاق مضيق هرمز هو أقصى درجات التصعيد ضمن سلسلة الخيارات العسكرية المتعددة، أي بمعنى أن إيران لا تبدأ به، بل تضعه في نهاية سلم التصعيد بوصفه أداة ردع قصوى.
وما حدث خلال الأسابيع الماضية يوضح الصورة أكثر؛ حيث عمدت إيران إلى التهديد بإغلاق المضيق عبر الألغام البحرية، والمسيّرات، والصواريخ، والزوارق السريعة، واستهداف بعض السفن التجارية، وفي المقابل كان الرد الأميركي بحصار الموانئ ومرافقة السفن، وباستهداف مباشر للقدرات البحرية الإيرانية، وهذا لا يدل على حرب شاملة، بل تثبيت معادلة ردع تمنع الانفجار.
لذلك أصبح اليوم خفض التصعيد هدفاً في حد ذاته، وأي خلل في مضيق هرمز لم يبقَ إقليمياً بل امتدت تأثيراته لكل أنحاء العالم، وهو ما كان بالفعل مع اهتزاز عاشته الأسواق العالمية خلال الأسابيع الماضية؛ لذلك «إن تم الاتفاق» فهو ليس نهاية للأزمة وليس تفويضاً مفتوحاً لإيران؛ حيث إن المعادلة الجديدة ربما تكون وفق توازن دقيق (خفض التصعيد مقابل ضبط السلوك) أو بمعنى آخر (انفراج مؤقت مقابل مراقبة مستمرة)، وفي هذه المعادلة لن تختفي المخاطر، ولن تنتهي الأزمة، بل ستتم إدارتها، لأن المنطقة تعيش لحظة إقليمية معقدة؛ حيث لا يمكن الجزم بالقدرة على الحسم في ظل الرغبة الدولية باجتناب الانفجار الكامل.

