تتنافر الأقطاب والشحنات المتشابهة. وفى السياسة والحرب، كما فى المغناطيسية والفيزياء، ينطبق القانون على الصراعات وأطرافها. وإلى التطبيق العملى، دعنا نلقى نظرة على حرب الخليج الراهنة.
المحرّك الأقرب يعود إلى «طوفان الأقصى» فى غزة، غير أن التناقض بنيوى، وغائر فى الزمن. وفى جولة اليوم، فإنه قائم بالأساس بين إسرائيل والجمهورية الإسلامية.
نشأت الفكرة الصهيونية على أكتاف اليسار واللا دينيين، لكنها كانت ممتلئة منذ البداية بالنَّفَس الدينى، وتُضمر طابعها الأُصولى اليهودى وراء مدنية علمانية مُدعاة.
أما دولة الملالى، فاقتحمت المسرح تحت ضوء ساطع، ومن دون إضاعة الوقت والجهد فى الزعم بغير حقيقتها، وغاية ما أعملت فيه مبدأ «التقيّة» أن تبتسم، مراهنة على انخداع العرب دومًا فى نيوب الليث البارزة، منذ حذّرهم المتنبىّ ولم يعبأوا بالتحذير.
وبعيدا من الاسترسال، أو اقتفاء أثر الوقائع نتفةً بعد أُخرى، فقد اكتمل مشروعان عدوّان على خارطة المنطقة. كلاهما يقضم ما تيسّر له طامعا فى المزيد، ويتّخذ الآخر خصما وذريعة.
قضت إسرائيل عقودها الثلاثة الأُولى على وفاق كامل مع ملالى طهران. والأخيرة ثانى عاصمة إسلامية تعترف بالتقسيم والاحتلال بعد أنقرة. بل امتدت المساكنة الاستكشافية إلى نهاية عهد المُرشد الأوّل، روح الله الخمينى.
وفى حرب الخليج الأُولى مع العراق، تحصّل حرس الثورة على الصواريخ التى قصفوا بها بغداد من تل أبيب، ضمن صفقة مع الولايات المتحدة عُرِفَت لاحقًا بفضيحة «إيران جيت» أو «إيران كونترا».
تأسس حزب الله فى لبنان مُبكّرًا قليلاً، لكن الأزمة تجلّت لاحقًا مع بروزه جنوبًا، واتضاح أنه ميليشيا ولائية يعود قرارها إلى الولى الفقيه، على الضفة البعيدة من خليج العرب.
كان ذلك شرخًا أوّل، وتلاه إطلاق مشروعها النووى، ثمّ بدء التمدُّد فى أوردة الشام، ووراثة سلطة صدام حسين على العراق، عبر وكلائها من أطياف الشيعة وميليشياتهم مُتنوّعة المُسميَّات والأدوار.
الشرارةُ عِرقيّة فارسية، وإن رُفِعَت رايةٌ بديلة للتلبيس والخداع.
ما كان من الشاه، لا يختلف إلَّا فى الغطاء عمّا أتاه الفقهاء بعده، وكلاهما يُطابق ما ابتدأه الصفيون فى صدر دولتهم، وكان سببًا لأن يحلّوا رباط أهل السنة عن الهضبة، ويصبغوها بالتشيُّع.
وما جرى ذلك لشىءٍ، إلّا تمييزها، ومنح المشروع الفارسى نكهةً مذهبيّةً مُؤطّرةً بأسلاك شائكةٍ تمنع ذوبانه فى محيطه العريض، أى أن الأصل يعود إلى المخيال المُتّقد، وشهوة استدراك الامبراطورية الموروثة من مرويات الدولتين الإخمينية والفارسية. بالضبط كما تُستَعار الصهيونية الآن غطاء لممالك اليهود القديمة.
إنه صراع فى نطاق التاريخ والذاكرة، وسباق محموم على إعادة إنتاج الماضى.
أُصوليّة استوطنت فلسطين فى حضانة الاستعمار وتحت رعايته، لتتوسَّع منها وفق سردية إسرائيل الكبرى، سواء تحققت ماديا أو بالهيمنة المعنوية.
وتقابلها أُصوليّة مُضادّة تاجرت بالقضيّة، لتَعبُر فى وهجها إلى عواصم المنطقة. حتى أنهم أقنعوا الأغبياء بأن طريق القدس تمرُّ من اليمن البعيد، لكنها مسدودةٌ من دمشق!
وجهان على ماء هُرمز إذ يطير الصهاينة إلى فارس، أو المتوسط ورجال قاسم سليمانى يُمدّدون أرجلهم على سواحل لبنان حاليا وسوريا فى السابق، أو لعلّه وجه واحد ينعكس فى مرآة مستوية.
تختلف الملامح والخطابات، غير أنهما ينزحان من خزّان واحد. أطماع جغرافية واقتصادية وسياسية، وعداوة تاريخية مكتومة أو مُصرّح بها مع المنطقة وأهلها.
وكلاهما ينطلق من شوفينية تطغى على وعيه وتتفجّر رائحتها النتنة مع أنفاسه، أكانت بالاستناد إلى الجذور الآريّة أم بتطاوس اليهود على الأغيار!
وما يُقال فى العصابة الصهيونية يصح مع شركائها، وما يجرى على الملالى ينطبق على تابعيهم، غير أننا فى شقّ الولايات المتحدة وحزب الله قد نقع على مُفارقةٍ.
خرج الحزب من لبنانيته منذ زمن، ولا اتهام، إنما الوصف والإحالة لكلام أمينه العام السابق حسن نصر الله، وتفاخره بأنّ كيانه بما له وما عليه يعود لإيران ويأتمر بأمر مُرشدها الأعلى.
وقد زاد قادته وزُعرانه مُؤخّرا فى تخوين مُعارضيهم جميعًا، وتنقّلوا من الأفراد والطوائف، إلى رئيس الحكومة نوّاف سلام، ثم التصعيد الأكبر مع الرئاسة الأولى.
والحال، أن الرئيس عون استهلك ما يزيد على خمسة عشر شهرا من ولايته فى التطمين والاحتواء، حتى استشعر البعض أنه يُمالئ الحزب ويتآمر مع الدويلة على الدولة، واتهمه آخرون بالرخاوة والضعف.
وبأثر الوقاحة الحزبية، انفجر الرجل بعد طُول صبر، وقال ما كان يجب أن يُقال منذ شهور: «الخيانة يرتكبها من يأخذ بلده إلى الحرب تحقيقا لمصالح خارجية»، هكذا بصريح العبارة، وبلا مواربة أو دبلوماسية.
فصيل مُنسلخ من وطنيته فى أفضل الأوصاف، أو طابور خامس، يستبد بالبلد ويُحيّد مؤسساته، ليرهنه لقوّة من خارج الحدود تُذخّر به سلاحها، أو تطويه ورقة هامشية فى ملف مفاوضاتها.
يجرّ الحزب بيئته، والدولة كلها، إلى الخراب. وقد جرّ رئيس البرلمان من عقلانيته إلى مقاطعة قصر بعبدا، وقسمة هياكل السلطة عموديا، رغم تنازع المكوّنات فى المستوى الأفقى: المسيحيون ضد الاستبداد بالطائف، والسٌّنّة أيّدوا التفاوض، وقطاعات من الشيعة تُدين الجنون، أو تصمت حرجًا وإجلالا للمأساة.
لا نعيم قاسم ولا رجاله ضد التفاوض، إذ يُرحّبون بأن تتفاوض طهران عن لبنان. أمّا وجه الشبه مع الولايات المُتحدة، فيتمثّل فى اختطاف ترامب للدولة، وإحلال نفسه بدلاً عن المؤسسات، فكأن صورة واشنطن مقلوبة عن بيروت.
أطلق حربه على إيران، وبختام مهلة الشهرين أخطر الكابيتول بانتهائها، وكان فى اليوم نفسه يتحدّث عن احتمالات العودة للقتال مُجدّدًا.
احتيال على القانون، وتصفير للعدّاد، ولعب بالمؤسسات/ بالشرعية والدستور.
النواب والشيوخ هناك أقرب للحكومة والرئاسة فى لبنان، والبيت الأبيض يتمثّل أجواء الضاحية الجنوبية، فيتعمّم الرئيس فى مكتبه كالأمين العام فى ضاحيته، ويّحوّل النظام الجمهورى إلى ميليشيا حزبية.
لكنهما يظلان قطبين مُتشابهين، يجرى عليهما قانون الفيزياء فى التنافر، إنما بلمسة ساخرة، وما أكثر المساخر بين الأقطاب الأربعة!

