نظمت منذ أيام «لقاءات الجامعة الأورومتوسطية حول تحالف الحضارات»، بمدينة فاس في موضوع: «مستقبل الحضارة الإنسانية في ظلّ الذكاء الاصطناعي». وقد عرفت هذه التظاهرة الدولية التي كان لنا شرفُ تنظيمها بشراكة مع رابطة العالم الإسلامي، وتحالف الحضارات التَّابع للأمم المتحدة، مشاركة 2100 شخص من بينها شخصيات سياسية ودبلوماسية وأكاديمية رفيعة المستوى من 75 دولة، إلى جانب خبراء وباحثين وممثلين عن المجتمع المدني، فضلاً عن حضور أكثر من 1400 شاب وشابة.
وقد شكَّل هذا اللقاء الدولي الذي نُقل مباشرة على منصة الأمم المتحدة، مناسبة للحوار والتفكير الاستراتيجي حول التحولات العميقة التي تفرضها الثورة الرقمية، وعلى رأسها الذكاءُ الاصطناعي، على مختلفِ أبعاد الحياة الإنسانية، بما في ذلك أنماطُ الحكامة، والنماذج الاقتصادية، والتوازنات الجيوسياسية، والأنساق الثقافية.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجردَ أداة تكنولوجية، بل أصبح عاملاً بنيوياً يعيد تشكيل أسس الحضارة الإنسانية، بما يفرض ضرورة اعتماد مقاربات شمولية تدمج بين الأبعاد العلمية والتقنية من جهة، والاعتبارات الأخلاقية والاجتماعية والثقافية من جهة أخرى.
وتحاول دول كثيرة اليوم وضع تنظيمات لتطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه في مجالات عدة، محذرة من «عواقب غير مرغوب فيها»، كتلك المخاوف المتعلقة بـ«مسألة الانخراط البشري»، إضافة إلى «انعدام الوضوح على صعيد المسؤولية»، لأنه قادر على أن يزيدَ بشكل هائل المخاطر حيال الأمن والسلامة، وينتهك الحقوق المدنية والخصوصية، ويزرع الريبة ويفقد الثقة عند جمهور الناس، ناهيك بنشر الأخبار المضللة.
ونتذكر كلمات «عرّاب الذكاء الاصطناعي» البريطاني – الكندي جيفري هينتون، عندما استقال من «غوغل» في مايو (أيار) 2023: «لقد وصلتُ إلى استنتاج بأنَّ نوع الذكاء الذي نطوره يختلف كثيراً عن الذكاء الذي لدينا. نحن أنظمة بيولوجية وهذه أنظمة رقمية، والفرق الكبير أنَّه مع الأنظمة الرقمية لديك العديد من النسخ من مجموعة الأوزان ذاتها، ومن نموذج العالم ذاته». قبل أن يضيف: «جميع هذه النسخ تستطيع التعلمَ بشكل منفصل، لكنَّها تشارك معرفتَها فوراً. فإن كان لديك 10 آلاف شخص، عندما يتعلم شخص واحد شيئاً ما، سيعرفه الجميع تلقائياً. وهكذا يمكن أن تعرفَ روبوتات الدردشة أكثر من شخص واحد بكثير».
وقد تركزت أشغالُ المؤتمر حول مجموعة من المحاور الرئيسية، في مقدمتها حكامةُ الذكاء الاصطناعي، إذ تم التأكيد على أهمية ترسيخ مبادئ الشفافية، والمساءلة، وقابلية التفسير، بما يعزّز الثقةَ في الأنظمة الذكية ويضمن استخدامها بشكل مسؤول؛ كما تمَّ التَّطرقُ إلى التحديات المرتبطة بجودة البيانات والتحيزات الخوارزمية، وضرورة تطوير أطر تنظيمية دولية قادرة على مواكبة التطور السريع لهذه التكنولوجيا.
وفي مجال الصحة، تم إبراز الإمكانات الكبيرة التي يتيحُها الذكاءُ الاصطناعي في تحسين التشخيص الطبي وتطوير الطب الشخصي، مع التأكيد في المقابل على أهمية حمايةِ المعطيات الصحية وضمان سلامة وموثوقية النماذج المعتمدة.
أمَّا مسألة الثقةِ في الذكاء الاصطناعي، فتعدُّ عاملاً حاسماً في اعتماد هذه التكنولوجيا، حيث تمَّ التأكيدُ على ضرورة تطوير مؤشرات لقياس موثوقية الأنظمة، وتعزيز آليات التحقق والمراقبة، إلى جانب إدماج البعد الإنساني في تصميم الحلول التكنولوجية.
وعلى المستوى الجيوسياسي، فإنَّ الذكاءَ الاصطناعي أصبح رافعةً استراتيجية لإعادة تشكيل موازين القوة الدولية، مما يستدعي تعزيز التعاون المتعدد الأطراف، وتفادي مخاطرِ التنافس غير المنظم أو الانقسام التكنولوجي بين الدول.
وهناك جانبٌ آخرُ جدُّ مهم في هذا الموضوع، ألا وهو مسألة التحديات المرتبطة بالأمن السيبراني، وانتشار المعلومات المضللة، وخطابات الكراهية، وما تطرحه من تهديدات على استقرار المجتمعات والمؤسسات، مما يستدعي تطوير آليات فعالة للرصد والاستجابة، وتعزيز القدرات الوطنية والإقليمية في هذا المجال. وفي هذا الإطار، تمَّ التأكيد على ضرورة دعم بروز نماذجَ مبتكرة للذكاء الاصطناعي تراعي الخصوصيات الثقافية واللغوية، بما يعزز السيادة الرقمية ويضمن ولوجاً عادلاً ومنصفاً لهذه التكنولوجيا.
ولا يخفى على كلّ متتبّع لبيب أنَّ أهمَّ جانب في هذا الموضوع هو الاستثمار في رأس المال البشري، خاصة فئة الشباب، باعتبارهم الفاعل الرئيسيَّ في بناء مستقبل رقمي مسؤول، قادر على التوفيق بين الابتكار التكنولوجي والقيم الإنسانية.
ونفهم من كلّ هذا الكلام أنَّ التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تطوير الذكاء الاصطناعي، بل في القدرة على توجيهه ليكونَ في خدمة الإنسان، داعماً للتنمية المستدامة، ومحصناً للسلم والأمن، ومعززاً للتقارب بين الثقافات والحضارات، وهذا يتطلَّب لا محالة مقاربات استباقية ترتكز على اليقظة الاستراتيجية، وبناء القدرات، وتطوير آليات التعاون الدولي، بما يتيح مواجهة المخاطر المرتبطة بسوء استخدام هذه التكنولوجيا، خاصةً في مجالات التأثير على الرأي العام، وتغذية النزاعات، وتهديد السلم والسلام في العالم.

