لم تكن انتخابات أبريل (نيسان) 2026 داخل البرلمان الأفريقي مجرد محطة انتخابية عادية، بل شكلت لحظة كاشفة لطبيعة التحديات التي تواجه البناء المؤسساتي الأفريقي في مرحلته الراهنة. فبعيداً عن النتيجة المعلنة، يفرض المسار الذي قاد إليها نفسه بوصفه موضوعاً للنقاش، بل واختباراً حقيقياً لسلامة القواعد التي تؤطر العمل البرلماني القاري.
فالشرعية في المؤسسات لا تُختزَل في إعلان النتائج، بل تُبنى على مسار واضح، تحكمه قواعد مضبوطة، وتُمارَس فيه الإجراءات بشفافية وعدالة. وعندما يعتري هذا المسار قدر من الغموض أو التباين في التطبيق، فإن ذلك ينعكس مباشرة على صدقية المخرجات، مهما كانت قانونيتها الشكلية.
تكتسي رئاسة البرلمان الأفريقي أهمية تتجاوز بُعدها الرمزي، إذ ترتبط بتوجيه عمل المؤسسة، وتعزيز حضورها في القضايا القارية الكبرى. وفي سياق يتسم بتعاظم رهانات الاندماج الأفريقي، سواء من خلال أجندة «رؤية 2063» أو منطقة التجارة الحرة القارية، تصبح الحاجة إلى مؤسسة برلمانية فعالة، قادرة على المساهمة في صنع القرار، أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
في هذا الإطار، جاء الترشح المغربي حاملاً رؤية واضحة، قوامها الانتقال بالمؤسسة من فضاء للتداول إلى أداة للفعل. لم يكن الطرح قائماً على منطق التوازنات التقليدية، بل على فكرة أساسية مفادها أن المرحلة الحالية تتطلب أداءً مختلفاً، يرتكز على النجاعة، والصدقية، والقدرة على تحقيق نتائج ملموسة.
وقد رافق هذا الترشح عمل ميداني منظم، قائم على التواصل المباشر مع مختلف الوفود، وعلى خطاب متماسك يركز على الإصلاح وتعزيز دور البرلمان الأفريقي. وتم الحرص، طيلة هذا المسار، على اعتماد مقاربة مؤسساتية هادئة، تُعلي من شأن الحوار، وتتجنب الانزلاق نحو التوتر أو الشخصنة.
غير أن مجريات الأحداث داخل مجموعة شمال أفريقيا شكلت نقطة تحول حاسمة. فقد انتهى اجتماع 28 أبريل من دون التوصل إلى توافق حول مرشح موحد، وهو أمر لا يُعد استثنائياً في حد ذاته. فالديمقراطيات البرلمانية تقوم أساساً على إدارة الاختلاف. لكن ما يثير التساؤل هو الطريقة التي تم بها التعامل مع هذا التعثر.
فبدل تعميق النقاش، وفتح المجال أمام مزيد من التشاور، تم الانتقال سريعاً إلى اجتماع ثانٍ يوم 29 أبريل، في ظروف اتسمت بعدم وضوح الإطار الإجرائي. وقد تمَّ خلال هذا الاجتماع اللجوء إلى التصويت بشكل مباشر، من دون استنفاد فرص التوافق، مع اعتماد أغلبية بسيطة لا يستند تطبيقها إلى سند قانوني واضح في هذا السياق. كما برزت خلال هذا المسار مؤشرات أخرى تستدعي الوقوف عندها، من بينها الدور الذي اضطلعت به بعض الجهات الإدارية في توجيه مجريات النقاش، وما أثاره ذلك من تساؤلات حول مبدأ الحياد. إضافة إلى ذلك، تم تسجيل ملاحظات تتعلق بتدبير الزمن القانوني للاجتماعات، وببعض أوجه عدم الاتساق في عمليات التصويت.
وقد تبدو هذه العناصر، إذا ما تم النظر إليها بشكل منفصل، قابلةً للتأويل أو التخفيف. غير أن تجميعها ضمن سياق واحد يكشف عن إشكال أعمق، يتمثل في هشاشة الإطار الإجرائي، وقابليته للتأويل المتعدد. وهنا يكمن جوهر التحدي: فالمؤسسات لا تضعف بسبب الاختلافات السياسية، بل حين تصبح قواعدها عرضة للتكييف أو التجاوز.
ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال البُعد السياسي الذي يحيط بمثل هذه العمليات. فالتوازنات الإقليمية، والتحالفات المسبقة، والاعتبارات الاستراتيجية، كلها عناصر تؤثر في مسار اتخاذ القرار. غير أن قوة المؤسسة تكمن في قدرتها على احتواء هذه العوامل ضمن إطار منضبط، يضمن الحد الأدنى من العدالة والشفافية. إن النتيجة التي أفرزتها هذه الانتخابات قائمة من الناحية الشكلية، ولا جدال في ذلك. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل تكفي النتيجة وحدها لضمان المشروعية الكاملة؟ الواقع أن المشروعية، في بُعدها العميق، لا تنفصل عن سلامة المسار.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة هادئة ومسؤولة لآليات اشتغال البرلمان الأفريقي، خصوصاً على مستوى المجموعات الإقليمية، التي أصبحت تلعب دوراً حاسماً في توجيه القرارات. فغياب قواعد واضحة، أو تركها عرضة لتأويلات متباينة، يفتح الباب أمام تكرار الإشكالات نفسها.
إن ما حدث في أبريل 2026 ينبغي أن يُقرأ بوصفه إشارة، لا بوصفه حالة معزولة. إشارة إلى ضرورة تعزيز البناء المؤسساتي، وتحصين المساطر، وترسيخ ثقافة التوافق. فالمؤسسات القوية لا تُقاس فقط بقراراتها، بل بمدى الثقة التي تحظى بها لدى أعضائها.
وفي نهاية المطاف، يبقى التحدي الحقيقي هو الانتقال من منطق النتائج إلى منطق القواعد. لأن القواعد، عندما تكون واضحة ومحترمة، تصبح النتائج امتداداً طبيعياً لها، وليست موضوعاً للنقاش.
فالصدقية، في العمل المؤسسي، لا تُعلن… بل تُبنى.

