في عالم يعيش على وقع الحروب والعقوبات والصراعات التجارية جاء الإعلان الصيني الأخير ليحمل أكثر من مجرد قرار اقتصادي وأكثر من مجرد إعفاء جمركي.
فإعلان بكين تطبيق “التعرفة الجمركية الصفرية” لصالح 53 دولة إفريقية اعتبارًا من مايو 2026 لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً تجاريًا فقط بل رسالة سياسية واقتصادية للعالم كله.
لكن اللافت في التصريح الصيني لم يكن القرار نفسه فقط وإنما العبارة التي استخدمها المتحدث باسم الخارجية الصينية لين جيان عندما قال إن العالم يشهد “تزايدًا في الأحادية والحمائية.”
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا… لأن هذه العبارة تحمل الكثير.
فما معنى “الأحادية”؟
الأحادية ببساطة تعني أن تتصرف دولة كبرى وكأن العالم يتحرك وفق إرادتها وحدها… فتتخذ قرارات مصيرية منفردة وتفرض عقوبات أو تشعل حروبًا تجارية أو تضغط اقتصاديًا على دول أخرى دون انتظار توافق دولي أو احترام كامل لقواعد مؤسسات مثل الأمم المتحدة أو منظمة التجارة العالمية.
بمعنى أوضح… بدل أن تقول الدولة: “لنجلس جميعًا ونتفق” تقول: “هذا ما أريده… وعلى الجميع أن يتعامل معه.”
وهذا ما شهدناه في سنوات كثيرة عبر العقوبات الاقتصادية وتجميد الأصول واستخدام العملات والطاقة والتكنولوجيا كسلاح سياسي.
وما المقصود بـ”الحمائية”؟
أما الحمائية فهي الوجه الاقتصادي للصراع.
وتعني ببساطة أن تغلق الدولة أبواب سوقها أمام الآخرين لحماية صناعتها المحلية أو للضغط السياسي والاقتصادي.
كيف يحدث ذلك؟
• برفع الرسوم الجمركية.
• بوضع قيود على الواردات.
• بمنع بعض المنتجات.
• بدعم المنتج المحلي بشكل يجعل المنافسة شبه مستحيلة.
بمعنى أبسط للمواطن العادي:
بدل أن تقول الدولة “تعالوا نتاجر بحرية” تقول “منتجاتكم مرحب بها… ولكن بشروط تجعل دخولها صعبًا ومكلفًا.”
لماذا قالت الصين هذا الآن؟
هنا تكمن الرسالة الحقيقية.
الصين تريد أن تقول للعالم:
“بينما هناك من يغلق الأبواب… نحن نفتحها. بينما هناك من يستخدم التجارة كسلاح… نحن نستخدمها كشراكة.”
ولذلك لم يكن قرار الإعفاء الجمركي لإفريقيا مجرد خطوة اقتصادية بل إعلان واضح بأن بكين تريد قيادة نموذج مختلف في النظام الدولي… نموذج يقوم على المصالح المشتركة وربط الأسواق وبناء النفوذ من خلال التنمية لا الضغوط.
ولماذا إفريقيا تحديدًا؟
لأن إفريقيا لم تعد مجرد قارة غنية بالموارد… بل أصبحت ساحة التنافس الكبرى بين الشرق والغرب.
من يربح إفريقيا اليوم… يربح أسواق المستقبل وطرق التجارة والمواد الخام والأصوات السياسية داخل المؤسسات الدولية.
ولهذا فإن ما تفعله الصين الآن ليس تجارة فقط…
إنها إعادة رسم لخريطة النفوذ العالمي.
والسؤال الأهم…
أين تقف مصر من هذا التحول؟
وهل نحن مستعدون لتحويل هذه الفرصة إلى صادرات حقيقية ونفوذ اقتصادي أكبر وشراكة أكثر عمقًا مع الصين؟
الأيام القادمة قد تحمل الإجابة… لكنها بالتأكيد تحمل بداية مرحلة جديدة في معركة الاقتصاد العالمي.
بقلم دكتور محمد عبد الحميد الزهار
أمين العلاقات الخارجية بحزب حماة الوطن

