في الوقت الذي تشتكي فيه بعض الشركات من قلة الكفاءات داخل سوق العمل، تنجح شركات أخرى في جذب أفضل المواهب ببساطة لافتة، وكأنها تعمل في سوق مختلف تمامًا.
الحقيقة المؤلمة أن المشكلة في أغلب الأحيان لا تكون في نقص المواهب بل في بيئة طاردة للكفاءات لا تعترف بوجود خلل داخلها.
الشركات الفاشلة في إدارة مواردها البشرية لا تزال تعتمد على منطق قديم: توظيف سريع، ضغط عمل، غياب رؤية، ثم اندهاش عند استقالة الموظفين.
تتعامل مع الموظف كرقم يمكن استبداله فى أى وقت وتظن أن الحل في البحث عن بديل لتدخل في دائرة لا تنتهي من التغيير الدائم والمستمر دون أن تدرك أن كل عملية استبدال هي تكلفة جديدة، وخسارة خبرة، وإهدار وقت، وضربة صامتة لاستقرار شركتك ومستقبلها.
الغريب أن بعض هذه المؤسسات تبرر فشلها بإلقاء اللوم على قلة الالتزام أو ضعف الكفاءات، بينما الواقع يقول إن الكفاءات الحقيقية لا تستمر في بيئة غير صحية، ولا تقبل أن تكون جزءًا من منظومة بلا معايير واضحة أو تقدير حقيقي.
المقابل المادى لا يمكن إنكاره: الاستقرار المالي والرواتب العادلة عنصر أساسي في المعادلة.
فالموهبة الحقيقية قد تتحمل ضغط العمل لفترة، لكنها لن تقبل بعدم التقدير المادي على المدى الطويل الشركات التي توفر رواتب تنافسية واستقرارا ماليا واضحا، ترسل رسالة مباشرة بأنها تقدر قيمة موظفيها، وهو ما يجعلها أكثر جذبا واحتفاظا بالكفاءات.
في المقابل هناك شركات فهمت المعادلة بشكل سليم لم تركز فقط على التوظيف، ولا على الرواتب فقط، بل على بناء منظومة متوازنة عادلة تجمع بين بيئة صحية واستقرار مادي ونظام إداري متكافئ وهذا الأساس الحقيقي لبناء شركات تجذب المواهب وتحافظ عليها
هذه الشركات لا تخشى الاستثمار في موظفيها، لأنها تدرك أن الاحتفاظ بالموهبة أقل تكلفة بكثير من استبدالها تعرف أن الموظف المتميز لا يبحث عن راتب فقط، بل عن بيئة عمل صحية، وكيان قوي ينتمي إليه، وقيمة حقيقية تقدمها الشركة له ولأسرته… لأن الاستقرار لم يعد ماديا فقط، بل إنسانيا ومهنيا
وعندما تجتمع هذه العوامل، يحدث التحول الحقيقي: لا تعود الشركة تبحث عن المواهب بل تصبح هي الوجهة التي يسعى إليها الموهوبون
وهنا فقط تبدأ رحلة النمو الحقيقي لأن النجاح لا يُبنى بأفراد تتغير دائما، بل بمنظومة ثابتة قادرة على التطور والاستقرار والاستمرار.
في النهاية، السوق لا يفتقر إلى الكفاءات، بل يفرز الشركات.
شركات تدرك قيمة الإنسان فتربح… وأخرى تتجاهلها فتدفع الثمن.

