داخل قاعة النحات والرسام المصري العالمي آدم حنين بمركز الهناجر للفنون بدار الأوبرا المصرية مساء الخميس الماضي ، كان صوت جارة القمر فيروز يصدح بأغنية “زهرة المدائن” والتي نعتبرها أيقونة فنية ورمزاً للمقاومة والأمل، وتجسيدا لآلام الفراق وشوق العودة للقدس، وصرخة الألم ورفض الاستسلام والرغبة في النصروعزم العودة. مع كلمات فيروز عن بهية المساكن ومدينة الصلاة وزهرة ردد معها حشد كبير من الفنانين والرسامين والكتاب والدبلوماسيين حضروا خصيصا الى معرض الفنان المصري العالمي الدكتور عبد الرازق عكاشة ” غزة في القلب” والتي يجسد من خلاله ومن خلال “جدارية غزة ” صمود شعبنا الفلسطيني في غزة التي تعرضت لأبشع الجرائم الانسانية من العدو الصهيوني منذ السابع من أكتوبر عام 2023 وحتى الآن.
كنت سعيدا بالحضور فصوت فيروز وأغنيتها المحرضة على الصمود والمبشرة بالنصر ذكرني بأول معرض حضرته في جامعة القاهرة في عامي الدراسي الأول بكلية الاعلام في نهاية عام 1982 في كافيتيريا كلية الأداب الشهيرة التي احتضنت العشرات من المعارض والفعاليات الطلابية الوطنية. المعرض الذي أقامه اتحاد طلاب جامعة القاهرة كان تنديدا بالغزو الاسرائيلي للبنان عندما اجتاحت إسرائيل لبنان في 6 يونيو 1982، في عملية عسكرية واسعة النطاق أطلقت عليها اسم “عملية سلام الجليل”، بهدف القضاء على البنية التحتية العسكرية والسياسية لـ “منظمة التحرير الفلسطينية”. أدى الاجتياح إلى وصول القوات الإسرائيلية إلى بيروت، ومقتل آلاف المدنيين، وخروج الفصائل الفلسطينية . ومع بداية الدراسة في الجامعات المصرية اشتعل الغضب بين الطلاب دعما للبنان وتأييدا للقضية الفلسطينية وكانت أغنية زهرة المدائن هي أيقونة الألم والأمل ..ومازالت.
– وربما كان آخر معرض عن لوحات للطلاب وصور للمأساة تجسد جرائم الغزو الاسرائيلي للبنان. فقد تم ازالة الكافتيريا ولم يبقى منها سوى لقطات سينمائية في بعض الأفلام المصرية- الحالة الفنية والانسانية مازالت مستمرة فالقضية لم تحسم والصراع مستمرا أيضا والجرائم لم تتوقف والألم حاضرا والصمود قائما والأمل في النصر مازال ساكنا في القلوب رغم مواكب الشهداء التي غنى لها مارسيل خليفة :” بالأخضر كفّناه..بالأحمر كفّناه..بالأبيض كفنّاه..بالأسود كفّناه”
ويأتي معرض غزة في القلب و«جدارية غزة» للصديق الفنان عبد الرازق عكاشة – الذي نشأت علاقتنا معا في نهاية عام 90 في صحيفة مصر الفتاة- ليست فقط عمل فني أو رسم تشكيلي توهجت فيه الألوان الحمراء والزرقاء والبيضاء والسوداء ..لون العلم الفلسطيني وانما صرخة انسانية كبرى من قلب القاهرة ومنبرها الثقافي الأكبر ضد الظلم والطغيان والاحتلال وتوثيق لملحمة الصمود الفلسطيني..وتبشيرا بالنصر والحرية والاستقلال.
شكرا للصديق الفنان المهموم والمهتم بقضايا وطنه وأمته عبد الرازق عكاشة والتي عبر عنها دوما بفرشاته ورسوماته ولوحاته حتى عندما اغترب عن مصر وعاش في باريس ظل الوطن الصغير والكبير هو هاجسه الدائم ليعكس صورة الفنان الحقيقي الذي دائما ما يكونا صوتا لقضايا أمته وألامها وأحلامها بفنه الذي ينشد قيم العدل والحق والسلام .

