يَقُولُ أبُو الطَّيِّبِ المُتَنَّبِّي، أَنزلَ اللهُ عَلَيهِ الرَّحمَات:
فَعُدْ بِهَا لَا عَـدِمْتُهَا أَبَدًا خَيرُ صِلَاتِ الكَرِيمِ أَعْوَدُها
وَخيرُ ما يُشرَحُ بِهِ بيتُ شِعْرٍ، بَيتُ شعرٍ آخرُ لِلشَّاعرِ ذَاتِه.
وَبينَا أنَا أقَلّبُ الطَّرْفَ لِأقِفَ عَلَى قيلٍ في بَيتِ القَصِيد، إذْ وَجَدتنِي عندَ ابنِ فضلِ الله ِالعمرِي، في «مسالك الأبصارِ في ممالك الأمصار»، ومنَ اللطيفِ الظَّريفِ أنَّهُ بَعدَ أن ساقَ البيتَ السَّالفَ، أتبَعَهُ ببيتٍ آخَرَ لأبِي الطَّيّب، يقولُ فيه:
وَأَكْثَرُ تِـيهِي أَنَّنِي بِكَ وَاثِقٌ وَأَكْـثَـرُ مَالِي أَنَّنِي لَكَ آمِلُ
فَكأَنَّ المُتَنَبّي أرادَ بالبيتِ الثَّاني، تأكيدَ ما يَعُدُّهُ مُؤَكَّداً، في العَلاقاتِ الأصْلِيّة، والمشاعرِ القلبية، فهوَ عاشقٌ لحدّ التّيه، واثقٌ لحدَّ الضَّمان، متأكدٌ لدرجةِ اليَقين، مَلِيءٌ مُمْتَلئٌ فارِهٌ مَرفَّهٌ بأملِهِ بصَاحِبِه…
التَّائِهُ: هُوَ الذَّاهِلُ السَّاهِي، يُقَالُ: تَاهَ يَتِيهُ، ويَتُوهُ أيضًا، تَيهًا وتَيَهَانًا، وهُو أتْوهُ مِنكَ وأتْيَهُ، مِنكَ، ووَقَعُوا في التِّيهِ والتَّوهِ، وقد تَوَّهْتُ الرَّجُلَ وتَيَّهْتُهُ، وفقًا لابن جني.
فِي بيتِ القَصيدِ، يُخَاطِبُ الشَّاعرُ ممدوحَهُ المِعطَاءَ بِأطيبَ ما يكونُ بهِ السَّخَاء، فَيَقولُ: إنَّ بذلكَ الذي مُطِرنَا بِهِ، بقدرِ مَا كانَ غيثًا أحيَا القلوبَ، فإِنَّه بلغَ منَ الطّيبِ مبلغاً جعلنَا نألفُهُ، ونأنسَ به، وأمامَ هذَا الأُنْس، وَبمَا عَهدناكَ بهِ منْ رعايةِ المُستَأْنَسِين، بمَا يجعلُهمْ دوماً مُسْتَأْنِسِين، فنتمَنَّى عَليكَ أن تعيدَ الأُعطيَاتِ وتُكرّرُهَا، ففِي الإعَادةِ تأكيدُ اسْتمرارِ عِزِّك القَائِم، وَشموخُ رفعتِكَ وَسُمُوُّهَا، وتَكرارُ جميلُ عطايَاك.
وَللمُتنَبّي أيْضاً، قَولُهُ:
فَبُورِكْتَ مِنْ غَيثٍ كَأَنَّ جُلُوْدَنَا بِهِ تُنْبِتُ الدِّيبَاجَ والوَشْيَ والعَصْبَا
فجعلَ عَطاءَ الكَريمِ مَطراً، وَجُلُودَهمْ أرْضاً جَدبَاءَ. إذَا أصَابَهَا الغَيث، اهتزَّتْ وَرَبَتْ وَانْبتتِ الدّيبَاجَ: إذَا دَبَّجَهُ الغَيثُ، أظهرَ فيهِ زَهراً وَألواناً زَاهيةً، وَالوَشْيُ: كُلُّ مَا زَهتْ وَتَعَدَّدتْ أَلْوَانُهُ، وَالعَصْبَا: الثّيَابُ المَنسُوجَة. وَجَعلَ نَباتَ جُلودِهِمْ كساءً ورداءً، لمَا كَسَاهُمْ بهِ الكَريمُ منْ عَطَاء.
(فَعُدْ بِهَا): أعدْها وَكَرّرْهَا… في (تجديد الصّحاح)، لأبِي نصرٍ الجوهرِي، قولُه:
«عادَ إليه يَعودُ عَوْدَةً وعَوْداً: رَجعَ. وفَِي المَثل: العَوْدُ أحْمَدُ.
وَقَالَ:
جَزَيْنا بَني شَيْبَانَ أَمْسِ بِقَرْضِهِمْ وجِئْنَا بِمِثْلِ البَدْءِ والعَوْدُ أَحْمَدُ
وقدْ عادَ له بعدَ ما كانَ أعرضَ عنه. والمَعادُ: المصيرُ والمرجعُ. والآخرةُ مَعادُ الخَلْقِ. وعُدْتُ المريضَ أعودُهَ عِيادةً. والعادَةْ معروفةٌ، والجمعُ عادٌ وعاداتٌ. تقولُ منه: عادَهُ واعْتَادَهُ، وتَعَوَّدَهُ، أي صارَ عادة له. واسْتَعَدْتُهُ الشَّيء فأعادَهُ، إذَا سألتَه أن يفعلَه ثانياً. والمُعاودَةُ: الرُّجوعُ إلَى الأمْرِ الأوَّل. يُقالُ: الشّجاعُ مُعاودٌ، لأنَّه لا يملَّ المِراس».
(لَا عَدِمْتُهَـا أَبَدًا): يدعُو اللهَ ألَّا تنقطعَ عنهُ هِباتُه، وَهوَ كمَا قَالُوا: حشوٌ مَليحٌ. فليسَ كلُّ حشوٍ قَبيحاً.
وَمنَ اللطائِف، أنَّ هذا الدُّعاءَ وإنْ كَانَ ظاهرُ ألفاظِه أنَّه لاستمرارِ الهِبات، واتصالِ الأُعطيَات، إِلَّا أَنَّه يتضمَّنُ في ثنايَاهُ، دعاءً للكريمِ المِعطاءِ بدوامِ حُسْنِ الحَال، والأمنِ من تَقلُّبِ الزَّمَان، وَالنَّجَاة من اضطرَابِ وَتغيُّرِ الدَّهر، وَهَذا كلُّه يتحقَّقُ إذَا لمْ يَعدمِ الشَّاعِرُ العَطَايا، فاستمرَارُهَا يَعنِي استقرارَ مَانحِهَا، وَتوَاصُلَ عِزّه.
(صِـلَاتِ): جمعُ صِلةٍ، والصِّلَةُ: الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، يُقَال: وَصَل الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ وَصْلًا وَوَصْلَةً وَصِلَةً: ضَمَّهُ بِهِ وَجَمَعَهُ وَلأَمَهُ. وتُطْلَقُ عَلَى الْعَطِيَّةِ وَالْجَائِزَةِ، وَعَلَى الانْتِهَاءِ وَالْبُلُوغِ، وَعَلَى ضِدِّ الْهِجْرَانِ.
قَال النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَحَقِيقَةُ الصِّلَةِ الْعَطْفُ وَالرَّحْمَةُ. فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ. قَالَ: نَعَمْ. أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِل مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى. قَال: فَذَاكَ لَكِ».
فصِلَة اللَّهِ لِعِبَادِهِ بلُطْفِهِ بِهِمْ وَرَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ وَعَطْفِهِ بِإِحْسَانِهِ وَنِعَمِهِ.
وَيَعْتَبِرُ الْفُقَهَاءُ الصِّلَةَ سَبَباً مِنْ أَسْبَابِ الْهِبَاتِ وَالْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ. (الموسُوعةُ الفقهية الكويتية).
وَمِنْ حُسْنِ اسْتخدَامِ (صِلَات) فِي الأبْيَات، شِعرُ عُروةَ بنِ الوَرد، ويُنسَبُ لأبِي عَطاء السّندي، وللنَّابغةِ الجَعدِْي، وَقَولُه:
إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَطْلُبْ مَعَاشًا لِنَفْسِـهِ شَكَا الْفَقْرَ أَوْ لَامَ الصَّدِيقَ فَأَكْثَرَا
وَصَارَ عَلَى الْأَدْنَـيْنَ كَلًّا وَأَوْشَكَتْ صِلَاتُ ذَوِي الْـقُـرْبَى لَهُ أَنْ تُنْكَرَا
(أَعْوَدُهَـا): أثْبَتُهَا سَجيَّةً وآصلها عادة، وأكثرُها عوداً وتكراراً وإعادة.
كَانَ حَاتمُ الطَّائي سَيّدَ أهْلِ الكَرَم، وَلأنَّه أدْرَكَ أنَّ خَيرَ صِلَاتِ الكَرِيمِ أعودُهَا، قَالَ:
وَقائِلَةٍ: أَهلَكتَ بِالجُودِ مَالَنَا وَنَفسَكَ حَتَّى ضَرَّ نَفسَكَ جُوْدُهَا
فَـقُلتُ: دَعِينِي إِنَّمَا تِلكَ عَادَتِي لِكُـلِّ كَرِيمٍ عَـادَةٌ يَسْتَعِـيدُهَا

