أصبح الحوار بين الحضارات ضرورة إنسانية واستراتيجية تفرضها التحولات الدولية الراهنة والتحديات المستقبلية. ومن هنا تأتي أهمية مبادرة الحضارة العالمية التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ لبناء التفاهم وتجاوز الصراعات وإقامة علاقات قائمة على الاحترام والعدالة والتعاون.
ويقدم المجلد الخامس من كتاب “شي جين بينغ: حول الحكم والإدارة”، الذي يضم 91 نصًا في 18 قسمًا، إطارًا لفهم الرؤية الصينية للحوار والدبلوماسية. وتبرز هذه الرؤية خصوصًا في الصفحات من 471 إلى 521، التي تتناول دبلوماسية الصين ومبادئ التعايش السلمي وبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية.
ويحدد المجلد هدف بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية في “إقامة عالم منفتح وشامل ونظيف وجميل، يسوده السلام الدائم والأمن الشامل والازدهار المشترك”. ويتطلب بلوغ هذا الهدف تعزيز الحوكمة العالمية عبر التشاور والمساهمة المشتركة والمنفعة المتبادلة، والاستناد إلى القيم الإنسانية المشتركة ونموذج جديد للعلاقات الدولية. وتوفر مبادرات التنمية والأمن والحضارة العالمية إطاره الاستراتيجي، فيما تمثل مبادرة الحزام والطريق منصة عملية للتعاون.
ويؤكد شي على أنه: “يجب أن نتمسك بالتبادل الحضاري والتعلم المتبادل”. فالحضارة تجربة إنسانية متجددة تتطور بالتفاعل، والحوار انفتاح على الآخر دون التخلي عن الهوية والخصوصية.
أولًا: من صراع الحضارات إلى التكامل الحضاري
تطرح مبادرة الحضارة العالمية رؤية مغايرة لنظريات الصدام التي جعلت الاختلاف الثقافي والديني والفكري مصدرًا حتميًا للصراع. فالتاريخ يثبت أن التواصل بين الحضارات، ومنها المصرية والصينية، أسهم في انتقال العلوم والفلسفة والفنون وإثراء المعرفة.
ويؤكد الرئيس شي أن “الحضارة البشرية غنية بالأساس، أي إن الإنسانية تمتلك رصيدًا من التجارب والقيم لا تختزله ثقافة واحدة، ولكل حضارة إسهامها، ولا تحتكر أمة الحقيقة أو التقدم. ويقول: “بسبب الاختلافات التاريخية والثقافية والمؤسسية في البلدان، يتعين على البلدان أن تتفاعل مع بعضها البعض وأن تتعلم من بعضها البعض وأن تتقدم معًا”. وهنا تتجلى فلسفة التكامل: اختلاف يؤسس لوحدة ثرية قوامها التعايش والعمل المشترك، ويجعل الحوار بديلًا للهيمنة والإقصاء.
ثانيًا: الخصوصية الحضارية والتحديث المستقل
لا يعني التقدم استنساخ تجربة دولة أخرى أو تبني نموذج ثقافي واحد، بل أن يبني كل مجتمع مساره وفق تاريخه واحتياجاته وخصوصيته، مستفيدًا من الخبرات الإنسانية. ولا تكتمل الحضارة بالتكنولوجيا والاقتصاد دون قيم وثقافة تحفظ الهوية وتمنح التنمية مضمونًا إنسانيًا. ويعبر الرئيس شي عن ذلك بقوله: “إذا كانت الثقافة مزدهرة فستكون البلاد مزدهرة، وإذا كانت الثقافة قوية فستكون الأمة قوية”.
وتزداد أهميتها مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ومخاطر التنميط وهيمنة ثقافات بعينها. وينبغي توظيف التكنولوجيا للتواصل وحماية اللغات والتراث وتوسيع الترجمة، لا لمحو التنوع. والحداثة لا تعني الصراع مع الهوية، كما أن صون الهوية لا يقتضي الانغلاق؛ والتحدي هو التوازن بين الأصالة والتجديد.
ثالثًا: الأسس التاريخية والحضارية للتقارب الصيني المصري
تقدم العلاقات الصينية المصرية نموذجًا لإمكان تحويل الحوار الحضاري إلى شراكة من أجل التقدم. فمصر والصين صاحبتا حضارتين عريقتين، وجمعتهما روابط تجارية وثقافية، وكان طريق الحرير جسرًا لانتقال السلع والأفكار والعلوم والفنون. ويؤسس هذا الرصيد لشراكة معرفية وثقافية.
ويكتسب بناء مجتمع صيني عربي ذي مستقبل مشترك أهمية خاصة؛ إذ يؤكد أن التعاون لا ينبغي أن يقتصر على المصالح الاقتصادية، بل يمتد إلى المعرفة والثقافة والتعليم والتواصل الشعبي. وتشمل فرصه التعليم والبحث والترجمة والفنون والإعلام والسياحة. وتمثل ترجمة الأعمال بين العربية والصينية، وفي مقدمتها المجلد الخامس، والندوات العلمية في الجامعات ومراكز البحث، وسائل لتعميق الفهم. ويبدأ التبادل الحقيقي بمعرفة الآخر وفهمه واحترام خصوصيته، وصولًا إلى التعاون وإنتاج المعرفة.
رابعًا: الثقافة والتعليم والإعلام جسورًا للتقدم المشترك
يتطلب نجاح الحوار الانتقال من الفعاليات الثقافية الموسمية إلى برامج مؤسسية مستدامة. ويتحقق ذلك بتعاون الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات الإعلامية، وتبادل الطلاب والباحثين، وتعليم العربية والصينية، والترجمة، وإنتاج أعمال مشتركة تعرف كل شعب بالآخر.
ويمكن للشباب استخدام المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي والترجمة لتجاوز الحواجز اللغوية، مع حماية التنوع واللغات الأقل حضورًا رقميًا. كما تقع على عاتق المثقفين والفلاسفة والإعلاميين مسؤولية مواجهة الصور النمطية وخطابات الكراهية. فالإعلام يشكل الوعي والرأي العام، وقد يكون جسرًا للتفاهم أو سببًا لسوء الفهم؛ والإعلام المهني ركيزة للحوار الحضاري.
خامسًا: من التفاهم الحضاري إلى بناء مستقبل إنساني مشترك
تتجاوز مبادرة الحضارة العالمية العلاقات الثقافية إلى بناء عالم متوازن ومتعاون بعيدًا عن الهيمنة والصراع. وقد تقدم الشراكة الصينية المصرية نموذجًا لتعاون الدول النامية عبر تبادل الخبرات وتوطين المعرفة وبناء القدرات.
ويقتضي ذلك الانتقال من الحوار النظري إلى العمل في التنمية المستدامة والبحث العلمي والتعليم والتكنولوجيا والأمن الغذائي ومواجهة التغير المناخي. وتظهر قيمة الحوار في أثره على حياة الإنسان وفرص التعليم والعمل والإبداع. ولا يتعارض التعاون مع المصالح الوطنية، بل يعزز استدامتها؛ فقوة الحضارة تقاس أيضًا بما تقدمه للإنسانية.
خاتمة: الحوار الحضاري شرط للتقدم المشترك
وتطرح مبادرة الحضارة العالمية سؤالًا فلسفيًا وإنسانيًا: هل تستطيع البشرية بناء عالم يتسع للاختلاف دون أن يتحول إلى صراع؟ وتبدأ الإجابة بالإقرار بحق كل شعب في خصوصيته والمشاركة في صناعة المستقبل.
فالحضارات تتكامل وتتقدم بالتواصل والتعلم لا بالعزلة وفرض النماذج. والحوار الصيني المصري فرصة لتجديد الروابط وتحويلها إلى مشروعات معرفية وثقافية وتنموية. فالحوار ليس رفاهية فكرية أو أداة دبلوماسية فحسب، بل شرط أخلاقي وفلسفي للتقدم المشترك وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وإنسانية وعدلًا وسلامًا وازدهارًا للجميع.
____
* أستاذ فلسفة الإعلام وحوار الحضارات، رئيس التحرير التنفيذي لمؤسسة اليوم السابع

