في ظل تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخير، بأنه قرر التحرك عسكريا فى الشرق الأوسط لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، تتجاوز منطقة الشرق الأوسط حقبة “حرب الظل” وإدارة الصراع في المنطقة الرمادية، لتدخل في طور الصدام المكشوف والضربات المباشرة عابرة الحدود، ليتشكل المشهد الاستراتيجي الحالي من خلال تصادم إرادات سياسية وعسكرية تسعى لإعادة صياغة موازين القوى قُبيل استحقاق انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، مما يجعل احتمالية تجدد القتال المباشر والمكثف تصنف في الوقت الراهن كاحتمالية
فقد تشير تقديرات إلى تحول في الرغبة العملياتية لدى تل أبيب وبدعم مباشر من إدارة الرئيس ترامب، في استغلال التراجع النسبي لشبكة الوكلاء الإقليميين لطهران، والانتقال من سياسة “الاحتواء والضغط الاقتصادي” إلى “التفكيك العسكري الجراحي” لتدمير قدرات إيران الصاروخية، ومواقع إنتاج وتجميع الطائرات المسيرة (مثل منشأة “جبل الفأس” ومجمعات أصفهان)، لشل قدرتها الانتقامية وتأخير برنامجها النووي بصورة نهائية.
ما يعنى، أن واشنطن وتل أبيب تسعيان لفرض معادلة ردع جديدة تستبق أي تحولات سياسية داخلية أمريكية، مستغلتين التفوق التكنولوجي النوعي ونشر منظومات الدفاع الصاروخي المتطورة بكثافة في المنطقة لحصر رقعة القتال ومنع توسع الصراع، في المقابل تتبنى طهران عقيدة “الدفاع الهجومي”، حيث أثبتت جولات التصعيد الميدانية في أكتوبر 2026 استعداد القيادة الإيرانية لشن ضربات باليستية مكثفة مباشرة من أراضيها لموازنة الكفة الأمنية، وتتمسك طهران بما يُعرف بـ “الشروط السبعة” التي أعلنها رئيس برلمانها ومفاوضها محمد باقر قاليباف، والتي ترفض تقديم تنازلات تحت التهديد أو القبول بسياسة “العصا والجزرة”، مشترطة رفعاً كاملاً للحصار البحري والاقتصادي قبل الخوض في أي ترتيبات تخص عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وكل هذا يأتي في ظل تباين جوهري بين الحليفين الدوليين لطهران؛ فروسيا تتماهى مع استمرار الصراع وتوسعه لكونه يخدم أهدافها في رفع أسعار النفط عالمياً وتشتيت القدرات العملياتية والتمويلية للولايات المتحدة بعيداً عن الجبهة الأوروبية، مع تعزيز تنسيقها العسكري مع إيران غرب الفرات بسوريا، بالمقابل، تقف الصين بموقف مغاير جذرياً لكونها المستورد الأكبر لنفط الخليج وتعتمد على استقرار التدفقات عبر هرمز لتشغيل عصبها الصناعي؛ مما يدفع بكين لممارسة ضغوط دبلوماسية واقتصادية ثقيلة وخفية على طهران لمنع التصفير الكامل للمضيق، مما يمنح صانع القرار الإقليمي فرصة للمناورة بالورقة الصينية لضبط حدود الرد الإيراني.
وبالتالي تزداد احتمالية سيناريو الحملات الجراحية والموجات العقابية الخاطفة من خلال ضربات جوية وصاروخية إسرائيلية-أمريكية منسقة وعنيفة تستهدف المفاعلات النووية وقواعد إطلاق الصواريخ ومصانع المسيرات الإيرانية، يقابلها رد إيراني تكتيكي ومباشر يستمر لعدة أيام يستهدف القطع البحرية والناقلات البحرية بالخليج دون الانزلاق إلى غزو بري.
وما يُعزز هذا السيناريو، الحشد العسكري الأمريكي الضخم وتمركز حاملات الطائرات، بالتزامن مع نشر البنتاغون لمنظومات defense صاروخي متطورة بكثافة (مثل باتريوت وثاد) في إسرائيل والمنطقة المحيطة لحصر رقعة القتال ومنع توسع الصراع.
وهو ما يعنى خطورة الانعكاسات الجيو-استراتيجية على الأمن الإقليمي والعربي خاصة أن أي مواجهة مباشرة لن تنحصر في جغرافيا الداخل الإيراني. طهران، وعبر تفعيل سيناريو حرب الاستنزاف الممتدة، ستعتبر المنشآت الحيوية في دول الجوار الحليفة للولايات المتحدة أهدافاً مشروعة تحت ذريعة استخدام الأجواء أو استضافة القواعد الأمريكية، مما يهدد بتدمير بنية الطاقة والتحلية بالخليج العربي.
وختاما، فإن بيئة الأمن الإقليمي قد عبرت رسمياً مرحلة الردع التقليدي، وأن فرضية الانفجار العسكري الشامل تحمل في طياتها ارتدادات مركبة وغير خطية تُسقط الخطط المالية واللوجستية الجاهزة ما لم تتسم بالمرونة المطلقة وصفرية الثغرات العملياتية، وما لم يتم تدارك الأمر من قبل القوى الدولية ..

