من أميركا اللاتينية الى قلب أوروبا وفي أقل من 24 ساعة تأتي “الصفعة السياسية” الثانية لحلم النفوذ والتمدد الأميركي، ومشروع ومخطط الهيمنة اليمينية للرئيس الأميركي ترامب وتابعه رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو..!
بعد فوز لولا دا سيلفا اليساري برئاسة البرازيل بالأمس، انتفض طلاب الجامعات الصربية في وجه الرئيس الصربي الكسندر فوتيشتش الحليف اليميني لترامب والصديق الأثير لبنيامين نتنياهو واستطاعت القائمة الطلابية الفوز في الانتخابات البرلمانية ضد الحزب التقدمي اليميني الحاكم وحصلت القائمة التي شكلها الطلاب بأغلبية مقاعد البرلمان الصربي واعتراف الرئيس بالهزيمة والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة في مفاجأة سياسية مدوية أطاحت بفوتشيتش ومشروعه اليميني.
لكن ما حكاية القائمة الطلابية التي أطاحت بالرئيس الصربي..؟
منذ عامين انتفض الطلاب في حركة احتجاجية شعبية ضد فساد واستبداد حكومة الرئيس الصربي في أعقاب وفاة 16 شخصا بسبب انهيار سقف محطة قطار في مدينة نوفي ساد- ثاني أكبر مدينة في صربيا بعد العاصمة بلغراد، وتقع على ضفاف نهر الدانوب في شمال البلاد. وعدد سكانها 300 ألف نسمة- وحظيت حركة الطلاب بتأييد واسع النطاق بين سكان صربيا البالغ 6.6 مليون نسمة وأصبحت أكبر تهديد للحزب الحاكم وللرئيس الصربي منذ أن تولى رئاسة الوزراء لأول مرة في 2014 ثم الرئاسة في 2017.
مع تزايد ضغوط الحراك الطلابي اضطر الرئيس الصربي للدعوة الى انتخابات مبكرة في سبتمبر الماضي، بعد أن أمضى فترتين رئاسيتين وشكل طلبة الجامعات الصربية حركة شعبية تحت اسم ” القائمة الطلابية” وتضم أساتذة جامعات ومتخصصين وخبراء في مجالات متعددة حازت على التفاف ودعم شعبي كبير.
طلاب الجامعات في صربيا يبلغ عددهم وفق آخر الإحصاءات حوالي 210 ألاف طالب في حوالي 8 جامعات حكومية و9 جامعات خاصة، وتستحوذ الجامعات الحكومية على النسبة الأكبر من الطلاب بحوالي 83 بالمائة مقابل 17 بالمائة في الجامعات الخاصة، فيما يبلغ اجمالي طلاب التعليم العالي في الأكاديميات والمدارس التطبيقية العليا والجامعات ما يقارب 248 ألف طالب وطالبة.
هل كان طلاب صربيا على درجة من الوعي بخطورة التوجه اليميني للرئيس الصربي وحزبه أم انها حركة طلابية عفوية ضد الفساد الحكومي فقط..؟
الحركة الطلابية ليس لها قائد محدد وتعتمد في عملها على “اجتماعات عامة”، وهي خلايا قاعدية تساهم كل منها بأفكارها ضمن إطار تنظيمي شامل يحدد التوجه العام، كما يتناوب الأعضاء على الظهور العلني، وذلك لضمان عدم بروز أي شخصية بعينها بشكل مفرط، يصبح مرشحا لمنصب رئيس الوزراء.
لكن البرنامج السياسي للحركة والقائمة الطلابية يعي جيدا خطورة التحالفات الصربية مع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية والموقف من روسيا في السنوات الماضية، فالحركة “قائمة الطلاب” الانضمام إلى العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، التي تعتبرها دولة ذات نفوذ ومصدرا مهما للطاقة، كما ترفض الحركة أي اعتراف بكوسوفو، التي أعلنت استقلالها عن صربيا من جانب واحد عام 2008
وماذا يعني فوز القائمة الطلابية ..؟
فوز الطلاب يمثل تحولاً سياسياً عميقاً في صربيا ويعيد للذاكرة مشهد هزيمة فيكتور أوربان رئيس الوزراء اليميني في المجر في أبريل الماضي.
ويرى مراقبون أن هذا الفوز ربما يشكل “نموذجا ملهما “لحركات طلابية أخرى في أنحاء أوروبا كما يحدث في فرنسا، كما أنه يطرح تساؤلات حول مصير الشراكات الاستراتيجية والعلاقات الوثيقة مع اليمين الأميركي والإسرائيلي.
فالولايات المتحدة وصربيا أطلقا في يوليو الماضي أول حوار استراتيجي بينهما في واشنطن لتعزيز الشراكة الثنائية بمناسبة مرور 145 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية، مع توقيع مذكرات تفاهم في مجالات الاقتصاد والطاقة والدفاع والعلوم، و تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 1.25 مليار دولار مع وجود أكثر من 250 شركة أمريكية تعمل في صربيا. ورحبت واشنطن بانضمام صربيا إلى “اتفاقيات أرتميس” الخاصة باستكشاف الفضاء في يوليو 2026. وصرح وزير الخارجية الصربي دجوريتش “رغبة صربيا في التعاون مع الإدارة الأمريكية الجديدة لتعزيز الجوانب السياسية والاقتصادية والأخرى لعلاقاتنا”، مؤكدا استعداد صربيا “لتعزيز مواقعها كأحد الشركاء الرئيسيين للولايات المتحدة في أوروبا”.
الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش ” الذي انتهى عهده” أعلن في وقت سابق عن تأييد صربيا لدونالد ترامب أثناء الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة “أكثر من أي دولة أخرى” في أوروبا. واعتبر إطلاق الحوار الاستراتيجي بين البلدين دليلا على تغير العلاقات بين بلجراد وواشنطن نحو الأفضل.
وماذا عن مستقبل الشراكة مع إسرائيل مع التوجهات السياسية الجديدة ..؟
العلاقات بين الرئيس الصربي ونتنياهو كانت تتميز بقوة التحالفات الشخصية بين الرجلين وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي يصف فوتشيتش بأنه (حليف إسرائيل في أوروبا)، وفي سبتمبر عام 2024 كشف بيانات صحفية عن قفزة في تزويد إسرائيل بالأسلحة والذخيرة من صربيا، في وقت خفضت فيه بريطانيا شحنات الأسلحة إلى تل أبيب، وفرضت فيه كل من كندا وهولندا وإيطاليا قيوداً مشابهة بسبب الحرب العدوانية على غزة.
ورغم تبنى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في أبريل الماضي، قراراً دعا فيه جميع الدول إلى «وقف بيع ونقل وتحويل الأسلحة والذخائر وغيرها من المعدات العسكرية إلى إسرائيل» من أجل منع مزيد من انتهاكات القانون الدولي الإنساني وانتهاكات حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، الا أن صربيا استمرت في تصدير السلاح الى إسرائيل لتصل قيمة الصادرات الى حوالي 23 مليون دولار تضمنت مركبات محصنة، صواريخ ومقذوفات، ذخيرة، معدات وقائية شخصية، وعتاداً طبياً وغيرها.
التعاون الصربي كان ناجما عن رغبة فوتشيتش، في كسب ود الولايات المتحدة، والحصول على دعم إسرائيل لصربيا في المحافل الدولية.
وكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على موقع التواصل الاجتماعي “اكس” في فبراير الماضي، أن الرئيس الصربي «صديق حقيقي لإسرائيل. وشكرتُه على دعمه دون تحفُّظ، بالأقوال وكذلك بالأفعال”.
وفي ظل هذه العلاقات، قال السفير الإسرائيلي لدى صربيا، منذ أسابيع قليلة، إن إسرائيل لا تعترف بالإبادة الجماعية التي ارتكبتها صربيا بحق السكان في البوسنة، وإن إسرائيل لن تشارك في التصويت في الأمم المتحدة حول الإعلان عن يوم ذكرى دولي للإبادة في مدينة سربرنيتسا، التي نفذت صربيا الإبادة الجماعية فيها. ورأت الحكومة الصربية أن أقوال السفير هي دعم إسرائيلي لها، فيما كان من المتوقع أن يزور الرئيس الإسرائيلي، يتسحاق هرتسوج، بلغراد في وقت قريب.
الحركة الطلابية الصربية أطاحت بالشراكات الأميركية -الإسرائيلية مع اليمين الصربي ولكنها تبقى أمام تحديات الاستمرار والقدرة على المواجهة والخروج بصربيا من عباءة الوصاية الأميركية والتحالفات الإسرائيلية.

