السبت الماضي نامت تلك المدينة الساحرة المطلة على شاطئ الريفييرا، ظلت الشوارع المحيطة بالمهرجان، لا تغمض جفونها على مدى 14 يوماً وليلة، تعودت «كان» على مدى 79 دورة أن تصبح هي مقصد العالم، لتسرق الضوء من الجميع، يأتي إليها النجوم من عشرات الدول، والكل يحلم بـ«السعفة الذهبية»، يقف الجمهور بالساعات أمام الفنادق، في انتظار لفتة أو طلة من نجمهم المحبوب، هناك حالة من الهوس بالمشاهير لها ظلال في العالم كله، غير أنني من واقع متابعتي لمهرجان كان على مدى 35 دورة متتالية، أستطيع أن أقول: هوس الجمهور الفرنسي يتفوق أوروبياً على الجميع.
كثير من القضايا أثيرت داخل المهرجان، سنرى نتائجها في القادم من السنوات، في هذه الدورة حضرت السينما العربية بالعديد من الأفلام. لم نكن في أفضل حالاتنا، لكن نشطت الأجنحة العربية التي تميزت بالندوات الساخنة، حضر المنتجون العرب بأعمال عالمية مثل صندوق البحر الأحمر السعودي ومؤسسة الدوحة القطرية. تلك الشراكات الإنتاجية ليست فقط وليدة هذه الأيام، غير أنها باتت تشكل ملمحاً واضحاً في السنوات الأخيرة.
المهرجان قبل انطلاقه وأثناء فعالياته أيضاً لا يكف عن طرح العديد من الأسئلة، أعلن مثلاً موقفه الرافض السماحَ للذكاء الاصطناعي بالتسابق، لا أتصور أن مبدأ الاستبعاد سوف يستمر طوال الدورات القادمة، سوف تقام مهرجانات موازية تسمح بمساحة موازية للذكاء الاصطناعي، علينا أن نضع خطاً فاصلاً، بين المنهجين، لا تجوز مقارنة ممثل بشري مع ممثل آلي، لن يتسابق براد بيت مع نجم يتم اختراعه وتغذيته بكل المفردات اللازمة بفن أداء الممثل، ولكن كما أن براد بيت من الممكن أن يدخل في تسابق مع توم كروز، كذلك من الممكن أن يضم المهرجان ضمن مسابقاته، تظاهرة على الهامش لتلك النوعيات، سوف يتباين المستوى بين عمل فني وآخر، طبقاً لقدرة من يقف خلف الآلة على اختيار اللقطة والحركة وقبل ذلك في تحديد ملامح النجم الاصطناعي.
مخاصمة نوع من الفن، مهما كانت الأهداف نبيلة، وفي جزء منها أيضاً تحمل منطقها وهو ما يتم ترديده بقوة، ويقع تحت عنوان حماية الإبداع البشري من سطوة الآلات، كل من لديه مهنة مثل كاتب هذه السطور، يشعر بقدر لا ينكر من الخوف، الكابوس المؤرق أن أستيقظ صباحاً لأجد خطاب شكر من الجريدة التي أعمل بها، على ما قدمته في السابق من مقالات ليحل محلي كاتب اصطناعي،
لا أستسلم لتلك المخاوف رغم مشروعيتها، العديد من النقابات الفنية في العالم تعمل لها ألف حساب، سيظل الإنسان هو فقط الذي يملك في نهاية الأمر توجيه الإبداع.
لا تنسَ أننا نستخدم الذكاء الاصطناعي منذ زمن بعيد، هل مشاهد «الأكشن» التي نرى فيها النجم المحبوب يقهر العشرات، هي نتاج لياقة النجم فقط؟ هناك قطعاً، إضافات لعبت فيها الآلة دور البطولة.
إحدى الممثلات لا تجيد فن الرقص، ألا تساهم الآلة في إقناعك بأنها هي التي رقصت على «واحدة ونص» طوال تلك المشاهد.
يظل الإبداع البشري قائماً في كيفية الاستعانة بجرعة مقننة من الذكاء الاصطناعي، لا تجرح الروح البشرية، ومن هذه الزاوية سيتم مشاركة تلك الأعمال في المهرجانات.
نحن على الطريق حتى يتم تقنين استخدام الذكاء الاصطناعي في الفن، من المستحيل أن يستمر الباب مغلقاً، سيصبح الباب لا محالة «موارباً».

