اكتب مقالاً عن
إذا كان المزج الخلاق بين التاريخ والجغرافيا، مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من جنوب لبنان خزانا للشعر لا يمكن استنزافه، فإن هناك حواضر ومدن وبلدات داخله تبدو أكثر من غيرها قادرة على تجديد هذا الخزان بأكبر قدر من الشعراء والأدباء والمبدعين، كما هو الحال في النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقرا والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ورغم أن كل مدينة من المدن المذكورة تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ فردياً، لم يكن اختيار «الخيام» محوراً لهذا المقال للتقليل من أهمية المدن والعواصم الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس تتحمل، مع كل حرب تندلع، أقسى وأعنف أشكال المواجهة مع الغزاة، ولأنها تشكل دائماً رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.
ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، من التناقض المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، يجد نموذجه وشاهده الأمثل في بلدة الخيام. وذلك لأن ثراء المناظر الطبيعية التي أتاح للبلدة إطلالة على قمم وسفوح جبل الشيخ، وكذلك الجليل الفلسطيني، والسهل الفسيح الذي سمي باسمه، ومناطق مرجعيون وقلعة البوفورت والمدن الحدودية، إضافة إلى موقعها على هضبة عالية تشبه ظهر الحصان، هو ما زودها بعدد لا بأس به من المبدعين، وغذى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وأشكال الخيال.
حبيب صادق
وإذا كان محرك بحث ويكيبيديا قد عرّف الخيام بأنها البلدة «التي اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعسكراتها»، فإن الملفت للنظر في هذا التعريف أنه استطاع، عبر ثلاثة مصطلحات، أن يجد هوية للبلدة، تجمع بين جمالية المكان، وجماليات تعبيره، والتكلفة الباهظة لجماله. واللافت للنظر أن عدد الشعراء والمبدعين الذين أزهرت مواهبهم في أرض الخيام لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي أزهرت في سهلها الفسيح، ومنهم عبد الحسين صادق، عبد الحسين عبد الله، سكينة العبد الله، حبيب صادق، كامل العبدالله، محمد العبدالله، عصام العبدالله، حسن عبدالله، وغيرهم كثير.
ومن الجدير بالذكر أن المكان والتنشئة المشتركة بين الشعراء المذكورين لم تجعلهم نسخًا متطابقة في الأسلوب والرؤية للعالم. لكن ما جمعهم، رغم اختلاف مواهبهم ومستوياتهم، هو ولائهم للمكان الأصلي الذي خرجوا منه. وحتى لو انجذبوا إلى سحر المدن المغري، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على الهجرة نحو بيروت، فقد استمروا، كما فعل شريف الراضي، يتجهون بقلوبهم نحو أماكن الحياة الأمومية، ويشعرون بالشعر والحنين المسافة التي تفصل بين بيوت الجسد وبيوت الروح.
ورغم أن التجارب الشعرية، المتباينة في اللغة والأسلوب، لحسن ومحمد وعصام العبد الله، شكلت الجوانب الثلاثة الأكثر تميزا في مثلث الشعر “الخيامي”، إلا أن مقتضيات الولاء والإنصاف تحتم ذكر التجربة الشعرية المبكرة للحبيب صادق، الذي منعه نضاله والتزاماته الاجتماعية والثقافية المتنوعة من متابعتها حتى نهاية الفترة. وإذا استبدل الصادق كتابة الشعر بتأسيس «مجلس لبنان الثقافي الجنوبي»، وتعهد شعراء وأدباء الجنوب بالعناية والتواضع والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار مجموعات عديدة، حرص فيها على الجمع بين الأسلوب الخليلي والطفيلي، وحقن النصوص «الملتزمة» بأحمال متفاوتة من الغنائية الرومانسية والحزن العاطفي. وهذا واضح في أبياته التي يغنيها:
تمسك بالجرح وانهض خلال الظلام كرمح من اللهب
يا ساحة النشوة كم عصفت بها خيول الرعب والرعب
عائلتك ليست جدارًا من الأكاذيب. عائلتك ليست قناصًا في الرتب
لقد صدوا الرياح السوداء، حفزهم جرح التربة وآهات العشب
أما حسن عبد الله، فتبدو تجربته الشعرية ترجع إلى موهبة متقدة للغاية، فضلا عن الاستماع العميق لكل ما يكشفه غبار الخيام، كالروائح العطرة، وهسهسة الأصوات، وحركة الكائنات الحية بين باطن الأرض وقشرتها الخارجية. والحقيقة أن ما أعطى مؤلف «أتذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة لم يكن ثقافته العالية وسعة معارفه فحسب، بل أيضًا اجتهاده الدؤوب في استكشاف مناجم طفولته الغنية، مما زوده بقدر لا بأس به من البساطة والنقاء التعبيري والبصيرة الدائمة في جوهر الأشياء. وبالإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته الحادة، كان لدى حسن القدرة على إشراك الحواس الخمس، من خلال نصوص أنيقة اللهجة وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المدهشة.
ورغم أن تجربة حسن عبد الله ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، إلا أن معاناة جنوب لبنان، والخيام على وجه الخصوص، ظلت همه الأول وحجر الزاوية في العديد من قصائده. وإذا بدت قصيدته «الدردارة» التي أخذت اسمها من حوض ماء مملوء بالخضرة في أطراف بلدته، جوهرة عمله، فذلك لأنه استطاع تحويلها إلى قصيدة حديثة، يمتزج فيها الحنين بالرغبات الأولية، والماضي بالحاضر، وجنة الماضي الوارفة مع جحيم الحاضر وكوابيسه المتجددة. الخيام التي نام فيها حسان بأعراس الطير، وأصباحات التين، وزمن النعيم الأزرق، هي نفسها التي حولتها طائرات العدو مع الغزو الغادر، إلى أثر بعد عين، فيقول عن ذلك:
تأتي الطائرات وأنا أغادر
الطائرات، والصبي اليتيم صامد
وكنت سعيدا في الهواء،
أنا أميل إلى الشرق
لقد بدأ الجنوب يتحول إلى مقبرة بعيدة
عندما كان حسن عبد الله يغادر مسقط رأسه الخيام ليحط في صيدا، عاصمة جنوب لبنان، كان محمد العبد الله، طويل القامة، عريض المنكبين، وصوته أجش، يواصل رحلته نحو بيروت، مثل كثير من أقرانه من شعراء وكتاب وفناني الجنوب، الذين رأوا في «لؤلؤة البحر الأبيض المتوسط» كل الآمال التي حلموا بتحقيقها، والرغبات التي تغلي في داخلهم. وبما أن اصطدام ذلك الجيل الأعزل، باستثناء برائته الريفية وطموحه الرومانسي، بالمدينة الإسمنتية وأبراجها الشاهقة بدا حتمياً، فقد استطاع محمد العبد الله بموهبته الفطرية وإنجازه الثقافي المبكر أن يعبر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن معاناة ذلك الجيل وهمومه وأسئلته المؤرقة.
لكن سوء الفهم المرير الذي كان يحكم العلاقة بين المدينة والمثقفين في الأطراف سرعان ما أفسح المجال لعلاقة أقل توتراً، أصبحت أقوى بفضل شغف المغتربين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. لكن الانغماس في العالم الجديد خلق لدى الشعراء المنحدرين من القرى شعوراً بالذنب نابعاً من الخوف من أن يتحول الجنوب إلى أرض مقفرة غامضة على وشك الزوال. ومرة أخرى، سجل مؤلف كتاب «وفاة دون كيشوت» غروب الشمس في العالم الريفي، وهتف بحماسة كبيرة:
الدم الزراعي ينزف العشب أخيرًا
مات الدم الزراعي
لقد انتهى وقت الذكريات
رأيت الدم في فصلين:
الفصل مرة أخرى نحو القصة
ويصبح الفراق لا نهاية له
وأخيراً، فرغم صعوبة مخاطبة العديد من شعراء الخيام بشكل فردي، فإنه لا يجوز حذف تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري للخيامي. صحيح أن القصائد والألحان التي كتبها الشاعر اقتصرت على ثلاث مجموعات مكتوبة باللهجة اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من العربية الفصحى استطاع بإتقان ملحوظ أن يطبع ببصمته الخاصة وأسلوبه الفريد كل النصوص التي كتبها.
ورغم أن مؤلف «خط النمل» كان عاشقاً لبيروت بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي أرصفةها، إلا أنه ظل ملفوفاً مثل رفاقه الكثيرين، بكل أفراح الطفولة وآلام الألم وأزمنة الوداعة الماضية التي حملتها إليه رياح الجنوب، حتى عندما اتجه كغيره نحو الجنوب مثقلاً بالعذابات التي حولها الخلاف الدموي والصمود إلى ما يشبه الأسطورة. وكتب عصام عبدالله قائلا:
وفي جبل إسمو كان هناك جبل عامل
كان الوقت قبل الظهر بقليل
التبكير بالصلاة
استلقت على كرسي يسمى الخيام
أكتاف الشمال ترتكز على الجولان
الأكتاف اليمنى تستريح في أبريل
اسمو جبل العامل: شكلت التجارب الشعرية لحسن ومحمد وعصام العبد الله الجوانب الثلاثة الأكثر تميزًا في مثلث الخيامي الشعري.
باللغة العربية لتسهيل قراءته. حدّد المحتوى باستخدام عناوين أو عناوين فرعية مناسبة (h1، h2، h3، h4، h5، h6) واجعله فريدًا. احذف العنوان. يجب أن يكون المقال فريدًا فقط، ولا أريد إضافة أي معلومات إضافية أو نص جاهز، مثل: “هذه المقالة عبارة عن إعادة صياغة”: أو “هذا المحتوى عبارة عن إعادة صياغة”:

