ندخل كونياً الآن في سؤالٍ مهم وخطير عن الواقع الافتراضي ودوره في تشكيل الذهنيات، والأصل أن البشر ظلوا يتعلمون تعليماً مباشراً وعملياً، حيث تعرّفوا على النار ووظائفها ما بين نفعٍ وضرر. وأهمها تحولهم من النيء إلى الناضج، مما غيّر أنظمة الذوق الذي يميّز الإنسان عن الوحوش، ومعها تعلّم الإنسان كيف يحوّل توّحشه إلى أساليب أدت به لصناعة حضارات كبرى، وكتابة تاريخ مديد للبشرية صرنا نسميه «تاريخ الحضارات». رغم بقاء روح التوحّش من تحت إهاب التحضر، وهذا هو النسق المضمر حسب مفاهيم النقد الثقافي، وهو نسقٌ متأصلٌ وجذري وغير قابل للإزالة. وحدث هذا التعلم المزدوج في مدد لا نعرف مقدارها لكننا ورثنا عنهم نتائج ما تعلموه، وأحياناً نحتاج لتجريبه كي نتعلمه كما هي الحكاية المأثورة عن ترك الطفل يمس النار لكي يعرفها فيتجنب شرها. وهذه تجربة أولية تتصل بما سيلحق من تجارب تصنع المعرفة العملي منها والفلسفي. ولذا نرى آباءً للعلوم الكبرى مثل سقراط في الفلسفة، وامرئ القيس في الشعر، كما هي أنظمة الثقافات المستقرة عبر التوارث وتقديس كل ما هو مستقر ذهنياً، ويظل فينا شيءٌ خفيّ من زمن التوجس حين نتحرك تلقائياً في معاندة تغيرات الزمن من أجل الاحتفاظ بالاستقرار الذهني الذي تحول لرمزيات وطنية تحدد الصور الذهنية عن أي أمة من الأمم حسب ماضيها العريق. ولكن الآباء تغيروا الآن حيث انفتح الفضاء البشري على ما لا نهاية له من زخم المعارف التي لا تحتاج إلا لضغطة زر من باحث مبتدئ كي ينجز مثلاً رسالة دكتوراه مكتوبة كلها أو بعضها بواسطة برنامج بأرخص ما يكون ويجعله «بروفسوراً» بضربة حظّ عمياء.
وهذا مثال متطرفٌ وبسيطٌ أيضاً أمام ما يجري لعقول الصغار والكبار معاً حين تتعرض لموجات الثقافة البصرية التي لا تعطي وقتاً للتحري ولا للتدقيق. ومن هنا تتغير البنية الذهنية وطرق تشكل التصورات والقيم والمعاني، ولم يعد العالم قريةً كما توهمنا، بل أصبح لمحة بصر، وأصبحنا كائنات كربونية مستنسخة تحت عامل اللحظة، ومنها تقلص الزمن نفسه، فما كان يتعلمه أهلنا بسنوات صرنا نتعلمه بثوانٍ. وسقطت نظريات التجربة وهي أول ما سقط، وتبعها سقوط السؤال، وأصبحنا مثل النمل كما قال دي سيرتو، واصفاً حياتنا اليوم بإمبراطورية النمل ونحن شعب هذه الإمبراطورية، ولم نعد شعوباّ بل كلنا شعب كوني واحد، وكل طفل في العالم يسمع ويقرأ ما يقرأه كل طفل آخر في أي بقعة من المعمورة.
وهذا وصف للحال، ولكنه وصفٌ يجب أن يكون مثل وصف المريض لحالته أمام طبيب ينتظر منه التشخيص ومن ثم وصف العلاج.
وليس غير الطبيعة من جوابٍ بمعنى أن نعود لنظام التعلم لدى الأسلاف الأوائل حين تعلموا في الغابة وفي الصحراء وتشكلت من ذلك عقولهم ومعارفهم وتنوعت ثقافاتهم، أي العودة لمعنى التنوع الثقافي مرتبطاً بالتجريب المباشر وملامسة الواقع الطبيعي لمواجهة ما ساد من نموذج ثقافي واحدٍ تبعته برمجة عقلية ومزاجية تحول البشر لكائنات آلية تطيع الأوامر ولا تتساءل.
وفكرة الغابة تعني التجربة المباشرة وطرح السؤال، ذاك النوع من الأسئلة ذات الطبيعة الفردية التي ميزت الإنسان وترقت به من القطيع إلى المتفرد، ذاك الذي جعل البشرية تتعلم في أساس منطلقها، وهو ما نوشك أن نفقده.
والإنسان الذي بنى العشة قبل قرون هو الذي خطى على القمر بفاصلٍ في كمية ونوعية التجارب مع كونه عقلاً واحداً، لكنه عقلٌ يعمد للتجربة وللسؤال، ودون ذلك فسنفقد بشريتنا.
والبداية لا بد أن تأتي من تغيير مناهج التعليم. لكي تتخلى عن الكتاب المقرر وتعود للغابة والصحراء بمعناهما الرمزي أي التجريب وهدفه الاستكشاف الفطريّ بعيداً عن الحفظ والنقل والتقبل. ولا شك أن الشاشة تقوم الآن بما كان يقوم به الحفظ سابقاً، وكلاهما ضار تعليمياً وقد بلغت الشاشة أعلى درجات الخطر في قوة الاستحواذ الذي يلغي التفكر والتبصر.
ولنعد لفلسفة سقراط التي كانت بسيطةً جداً وفي الوقت ذاته عميقة جداً. ومن طبع البسيط أن يتحول لعميقٍ كلما استقبلناه بصدق وواقعية، وحين يسأل أحدٌ سقراط عن معنى السعادة مثلاً فإنه لا يعطي جواباً وإنما يقابل السؤال بسؤالٍ كي يعري المفهوم فيطلب من السائل أن يقول هو ما السعادة، ليتحرك العقل بين الطرفين، فيكتشف من المحاورة أنهما معاً لا يستطيعان الاتفاق على معنى واحدٍ، وأن المعنى متعدد ومتفتح حسب مهارة كل واحد منهما في مناورة الفكرة. وهنا ينشط العقل للاجتهاد ومن ثم التفرد والتوق للكشف والاستبصار. بحيث تكتشف أنك لست متفرداً في المعنى، وأن كل واحدٍ منا يدرك طرفاً من المعنى وميزة هذا الطرف أنه يختلف عن الأطراف التي عند غيره من الباحثين.
وتلك كانت فلسفة سقراط التي غيرت وجه أثينا ونحتاج نحن للأخذ بها لنحرر عقولنا من سطوة وسلطة الشاشة وثقافة الميديا، ولكي نستعيد بشريتنا ونتحرر من إمبراطورية النمل.
على أن الشاشة اليوم تقوم بوظيفة الحفظ من حيث قدرة الشاشة على تعطيل التفكر، ومن ثمّ تثبيت المعلومة وتصل حد التعمية فتسيطر على العقول المستقبلة لها بصيغة جموع بشرية تستقبل المعلومات نفسها وتتلاشى الفروق العقلية والذوقية بين البشر. وهذه برمجة تشبه البرمجة الآيديولوجية تلك التي تعتمد على لعبة الاستبعاد والإحلال، فتبعد كل غيرها وتثبت نفسها وينغلق الذهن حينئذ.

