عندما واجه الأميركيون معضلة تحرير رهائنهم في السفارة الأميركية في طهران عام 1979، وظاهرة خطف الطائرات، استعانوا بصاحب عقلية فذة من جامعة هارفارد، هو البروفسور روجر فيشر. فجاء بخبرة وركام من الأبحاث أجراها مع رفاقه، ووضعها في برنامج «التفاوض القائم على المبادئ». من ملامحه أن التفاوض ليس محصوراً في التلويح بالقوة، بل هناك إجراءات أثبت العلم والواقع جدواها أكثر من سياسة «تكسير العظام».
توجهت إلى الرئيس الإكوادوري، الذي حاضر بنا في جامعة هارفارد عن فنون التفاوض وسألته: كيف نجحت في المفاوضات الوطنية الشائكة في بلدك بحيث خرج الطرفان بحلول مرضية؟ فقال: طبقت المحاور الخمسة التي قدمها زميلنا في هارفارد روجر فيشر في كتابه «الوصول إلى نعم: التفاوض الناجح من دون تقديم تنازلات» التي تقود أي نقاش أو تفاوض معقد إلى نتيجة مرضية للطرفين أو win-win كما يسميها الأميركيون.
فقد لاحظ البروفسور فيشر أن المرء إذا رغب في تحقيق نتائج جيدة في نقاشاته ومفاوضاته، فينبغي أن يكون «ليناً على الناس وقوياً على المشكلة». ولذا فإن تجاربه وأبحاثه تمخضت عن المبدأ الأول وهو ضرورة «التفريق بين الأشخاص والمشكلة». فعند التركيز على الفرد ننجر إلى الشخصانية بعكس التركيز على المشكلة.
المبدأ الثاني، التركيز على المصالح لا المواقف. أي لا يجدر الانشغال بما يُقال ظاهرياً على الطاولة و«الفرقعات الإعلامية»، فهذه المواقف إذا أخذناها بجدية فسوف نتصادم مع الطرف الآخر. أما البحث عن مصالح مشتركة يسهم في فتح أبواب الاتفاق. المبدأ الثالث – كثيراً ما ننساه – وهو «ضرورة استخدام معايير موضوعية» وليست مزاجية تثير حفيظة الآخر. مثل وجاهة معارضة فرض رسوم على السفن العابرة للمضيق؛ لأنه يخالف قانون البحار. هذه الموضوعية تحمي التفاوض من الانحراف.
المبدأ الرابع «ابتكار حلول تحقق مكاسب مشتركة». ذلك أن البحث عن الحلول المبدعة، والاستعانة بمن لهم باع طويل في هذا المجال يقدمان حلولاً مرضية كثيرة وأكثر استدامة.
أما أشهر مبدأ، الذي يُبنى عليه كثير من الصفقات التجارية والدبلوماسية، فهو «معرفة أفضل بديل يمكن الاتفاق عليه»، أو ما يُطلق عليه (باتنا). وهي تعني عدم دخول المفاوضات من دون معرفة حدود خياراتك المسموحة وغير المسموحة. فكلما كانت البدائل حاضرة في الذهن سهل ذلك النقاش. على سبيل المثال، لا يعقل أن يدخل الفرد مقابلة وظيفية، أو متجراً، وليس لديه هامش حدود الراتب والامتيازات، أو سعر المنتج المقدم في السوق، حتى يتمكن من تحديد موقفه من النقاش، ويعلم الحد الأدنى الذي يمكن أن يقبل به.
كما أن أكثر معضلة تواجه الشعوب في تفاوضها عدم فهم الفروقات الثقافية بينها، وقد لخّص من ألقبه بـ«ابن خلدون العصر الحديث» البروفسور «هوفستد» في أبحاثه الذائعة الصيت تلك الأمور في مسعى إلى فهم كيف يفكر الآخر، قبل محاولات إقناعه. كما أن المنصب الرسمي ليس دليلاً كافياً على المقدرة على التفاوض، فلا بد من الاستعانة بمحترفين لهم باع طويل في التأثير وكسب الجولة، فالإقناع علم وفن وتكتيك.

