ونحن نتحدث عن الحرب الدائرة فى إيران، لا نقصد فقط التداعيات الاقتصادية، التى هى بالفعل تداعيات وانعكاسات كبيرة، فيما يتعلق بأسعار الوقود، والتضخم وسلاسل النقل، وارتفاعات الأسعار، لكن هناك تداعيات أخرى تظهر فى الأفق ولا ينتبه إليها بعض من يحتلون مواقع التواصل ويواصلون مباريات فى الهتاف أو التشجيع، وكل منهم ينتقى ما يناسب موقفه ليثبت أنه أكثر فهما وأعمق معرفة.
والواقع أن هذه المناقشات الدائرة تعكس غياب أى نوع من الحوار، أو القدرة على الحوار، ومع كل الادعاءات بالديمقراطية واتساع الأفق، فإن كل هذا يذوب تماما عند أول نقاش، بين اثنين حول ما يجرى من صدامات وحروب تترك آثارها على الجميع، باستثناء أطرافها، الذين أصبحوا يتبادلون التهديدات والبيانات الدعائية بشكل جعل الحرب أقرب إلى لعبة أتارى أو لعبة إلكترونية من ألعاب الحرب والأكشن.
الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لا يتوقف عن إلقاء الخطابات، التى تزدحم بالكثير من التناقضات والمواقف المتداخلة بشكل يعكس حالة من تطاير الأفكار، فهو يتحدث عن هدنة، بينما يدفع بجنود إلى المنطقة، ويعلن إنقاذ طيار سقطت طائرته، بينما تعلن الأطراف الإيرانية عن استمرار أسر قائد الطائرة وتؤكد أنه فى قبضتها.
إيران هى الأخرى طرف فى مباراة الحرب، وعليه، نجد أنفسنا أمام عدة جهات، كل منها تعلن الانتصارات، وتهدد بالرد على تهديدات ترامب، نحن أمام مقر خاتم المرسلين وقيادة الحرس الثورى، والجيش الإيرانى والرئيس والباسيج، ووزارة الخارجية التى تظهر من خلال عباس عراقجى، وترد كلها على تهديدات ترامب، بينما تغيب المعلومات الحقيقية عن خسائر كل طرف، ولا نتحدث عن خسائر لأنه بالرغم من التعتيم، فإن خسائر الطرفين ضخمة، وكما توقعنا فإن هناك تغييبا للسياسة لدى الولايات المتحدة، حيث اندفع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى الحرب مدعوما باليمين الإسرائيلى وبنيامين نتنياهو الذى يعيش على الحرب طوال ثلاث سنوات، وبالرغم من هذا فقد تعرضت إسرائيل إلى قصف صاروخى إيرانى، ومسيرات أدت إلى كسر الكثير من الادعاءات الإسرائيلية حول التفوق، فى المقابل هناك قصف جوى أمريكى وإسرائيلى شديد العنف، آلاف الطلعات الجوية التى دمرت البنية الأساسية الإيرانية، والجسور والداخل بشكل يضاعف من أعداد الضحايا وحجم الدمار، ومع هذا لم يحقق الرئيس الأمريكى أيا من الأهداف التى أعلن عنها ، وأولها إسقاط النظام الإيرانى، والثانى انتزاع اليورانيوم المخصب بحوزة طهرنان، والثالث إنهاء برامج الصواريخ الإيرانية.
وخلال الأسبوعين الأخيرين، كرر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تهديداته بتدمير البنية التحتية ومحطات الطاقة الإيرانية، وما أسماه ترامب «أبواب الجحيمى» ويفترض أن آخر مهلة تنهى 48 ساعة لفتح مضيق هرمز، وفى حال تنفيذ التهديد، يتوقع أن تنزلق المنطقة إلى المزيد من التداعيات العسكرية والاقتصادية، فإيران تهدد هى الأخرى بالرد على مصالح حيوية أمريكية، بل وتوسع تهديداتها إلى دول الخليج، الأمر الذى قد يضاعف من الصدام، وقد سبق وقصفت إيران مناطق مختلفة فى دول الخليج، التى تمسكت بضبط النفس، لكنها بالطبع قد لا تصمت أمام اعتداءات أخرى.
الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يطرح شروطا للمفاوضات، وفى الوقت نفسه يدفع بحشود عسكرية ضخمة للمنطقة، وإيران تحشد عسكريا ومعنويا ودعائيا، وتبدو السياسة بعيدة عن كل الأطراف، هناك دول تبذل جهودا لإنهاء الحرب، ربما أبرزها مصر، التى تنقل رسائل رباعية مع السعودية وباكستان وتركيا، واتصالات مع موسكو، وهناك مشروع صينى.. كلها تسعى لوقف الحرب، لكن هذه المساعى تتطلب سياسة تبدو غائبة عن أطراف الحرب، ويبدو أن أمريكا باغتيال قيادات الصف الأول خسرت أطرافا كان من الممكن أن تستجيب للسياسة، فإيران التى تبدى نوعا من الصمود، لا شك تحتاج للحفاظ على ما تبقى من قوتها، ومقدرات شعبها، من خلال عمل سياسى، طبيعى أن يكون موازيا للعمل العسكرى.. كل هذا بعيدا عن التراس «كرة الحرب» من مشجعى الخراب على مواقع الهبد الافتراضى.

