تتسع ظاهرة شبيبة التلال لدرجة أنها لم تعد تقتصر على مشاركة بضع عشرات في أنشطة إرهابية ضد الفلسطينيين، بل تمتد لتجتذب مئات المستوطنين اليمينيين المؤطرين أيديولوجياً بوهم أرض إسرائيل الكبرى. كانت مشاركة بن غفير وسموتريتيش في الحكومة الإسرائيلية أبرز روافع امتداد الاعتداءات الإرهابية اليهودية، وانتشارها واتساع رقعة أنشطتها في قلب المدن والقرى الفلسطينية، لا خطوط التماس فحسب.
فايتمار بن غفير، “كهانا الصغير”، هو أبرز ما صدّرته حركة كاخ الإرهابية -التي أسسها مائير كاهانا وصنفتها الولايات المتحدة وإسرائيل حركة إرهابية- للمشهد السياسي الإسرائيلي، وأحد أدوات التمكين التي تعول عليها جماعات المستوطنين المتطرفة في الضفة الغربية؛ إذ استغل المحاماة كأداة سياسية للدفاع عن المستوطنين اليهود المدانين بأعمال إرهابية، واكتسب شهرة واسعة كمحامي “الدائرة اليهودية” في الشاباك، وهي الدائرة التي تعنى برصد ومتابعة أنشطة الحركات الاستيطانية الإرهابية تجاه السكان الفلسطينيين. يؤمن بن غفير بضرورة تغيير قواعد الاشتباك مع الفلسطينيين، باتجاه ممارسة قدر أكبر من الإرهاب والتنكيل، ويدعو إلى تغيير الوضع القائم في مدينة القدس بما يسمح بسيطرة يهودية مطلقة على المدينة وتحديداً المسجد الأقصى.
مع جنوح الأغلبية الساحقة من المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين المتطرف، يبرز بتسئيل سموتريتش كأحد أبرز وجوه الحركة الاستيطانية اختراقاً للمشهد السياسي الإسرائيلي؛ إذ أدت نشأته في إحدى المستوطنات غير الشرعية المقامة على أراضي مدينة رام الله، واعتقاله على خلفية ممارسته أعمال عنف للتعبير عن معارضة خطة الانفصال عن غزة في العام 2005، بالإضافة إلى التزامه الأيديولوجي بالأفكار الاستيطانية، إلى اكتسابه قاعدة انتخابية لافتة في أوساط المستوطنين، خصوصاً في ظل دعواته العلنية إلى تبييض البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية وتقنين أوضاعها.
استغلت الأحزاب اليمينية الإسرائيلية هشاشة موقف بنيامين نتنياهو القانوني- في ظل ملاحقته على خلفية قضايا فساد ورشوة- مستفيدة من احجام أحزاب يمين الوسط في إسرائيل عن الانضمام لحكومة برئاسته، لتنجح في استدراجه، لتمرير أجندتها الاستيطانية. بالنظر إلى اتفاق تشكيل الحكومة بين بنيامين نتنياهو وحزبي سموتريتش وبن غفير، كانت هذه الأحزاب هي الخيار الوحيد المتاح أمام نتنياهو للوصول إلى أغلبية في الكنيست الإسرائيلي، وسبيله الوحيد لكف يد الأجهزة القضائية عن ملاحقته في القضايا السابق ذكرها عبر مقايضة باتت واضحة؛ يحصل بنيامين نتنياهو على موافقة الاثنين على التعديلات القضائية المرغوبة لوقف الملاحقة القضائية بحقه، في مقابل غضه الطرف عن الأجندة الاستيطانية وموازنات خاصة للمستوطنين، وتحويل الشرطة الإسرائيلية إلى ميلشيات مسلحة تخدم الوزير لا عموم الشعب. بالنسبة لبن غفير وسموتريتش، نتنياهو هو الجسر الذي سيحول خطاباتهما في أروقة المستوطنات إلى سياسات فعلية في الموازنة العامة للحكومة.
مع سيطرة بن غفير وسموتريتش على وزارتي الأمن والمالية، ونقل تبعية الإدارة المدنية– الجهة المنوط بها متابعة المناطق المحتلة- لسموتريتش شخصياً، وجدت شبيبة التلال ملاذها. فالأول يوفر الردع للمجتمع الفلسطيني والحماية للمستوطنين عبر توجيهاته للشرطة بغض الطرف عنهم. بينما يقدم الأخر الأرض والميزانيات اللازمة لتوسيع الاستيطان. يعتمد الارهابيان على استراتيجية الحسم الخشن لقضايا الصراع، إذ يريان أن سياسة إدارة الصراع والمهادنة التي “اتبعها نتنياهو” قد أثبتت فشلها، وأن على الحكومة فرض السيادة الكاملة على الضفة الغربية وتقليص الوجود الفلسطيني إلى أدنى مستوياته تمهيداً لتهجير الفلسطينيين القسري.
في خلفية هذا كله، ثمة عوامل أخرى تسهم في انتشار ظاهرة الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية؛ إذ يظهر إسرائيل كاتس -وزير الدفاع الذي عين بعد إقالة أو استقالة يوآف غالانت- بمظهر المزايد على بن غفير وسموتريتش، مغازلاً قاعدتهما الانتخابية بأمر قادة الجيش بوقف اعتقال الإرهابيين اليهود ومنع أوامر الاعتقال الإداري بحقهم. ويعيّن ديفيد زيني رئيساً لجهاز الأمن العام “الشاباك”، وهو أحد أبرز أقطاب الصهيونية الدينية ونجل حاخام المستوطنين المفضل، الذي وقع والده على عريضة يدعم فيها أنشطة شبيبة التلال الإرهابية. إن موقع زيني الجديد ومعتقداته يجسدان حجم التناقض الصارخ بين دوره العسكري في كبح “إرهاب المستوطنين” وبين انتمائه العضوي لنفس البيئة الاجتماعية والدينية التي تفرز هذه المجموعات.
التحولات في المشهد السياسي الإسرائيلي سريعة وصادمة؛ فبعد أن كان نتنياهو يتحاشى الظهور في صورة واحدة مع بن غفير مراراً وتكراراً ، كما حدث في عيد العرش حين رفض نتنياهو الصعود إلى المسرح في وجوده، وانتظر مغادرته ليصعد لاعتباره عبئاً سياسياً ودبلوماسياً لا يمكن تبريره أمام الرأي العام العالمي، صار نتنياهو يخرج في فيديوهات معه على منصة “تيك توك” خلال حملة استهداف ممنهجة للمجتمعات العربية في الداخل، طمعاً في قاعدته الانتخابية، لا سيما بعد تراجع الليكود المبرر تحت قيادته في مختلف استطلاعات الرأي.
إن ظاهرة الإرهاب اليهودي تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية ليست سوى نتاج لارتباط بنيوي بين أيديولوجيا شبيبة التلال، وبين أدوات الدولة التي باتت رهينة في يد وزراء وقادة أجهزة أمنية يمنحون هذا الإرهاب غطاءً رسمياً. إن شهوة نتنياهو للسلطة وظلال الملاحقة القانونية له، قد تدفعه لتصدر صفوف شبيبة التلال بنفسه، حاملاً في إحدى يديه فأساً، وقارورة بنزين في الأخرى، ليعتدي على عائلة فلسطينية تأميناً لمستقبله السياسي.

