داخل جزء معتبر من النخب السياسية الأميركية، خصوصاً تلك التي تميل إلى خيار تغيير النظام في إيران، ساد افتراض أن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي سيقود، بصورة شبه تلقائية، إلى انهيار النظام، أو في الحد الأدنى سيُدخله في طور من التفكك يصعب احتواؤه. وكان هذا التفكير الرغبوي، كما أسميه، مبنياً على أن المرشد ليس مجرد رأس للدولة، بل هو العقدة التي تمسك بتوازن المؤسسة الدينية، و«الحرس الثوري»، ومراكز النفوذ الاقتصادي والأمني، وأن إزاحته ستُحدث فراغاً سياسياً تستغله المعارضة، وتدفع في ظله النخب الحاكمة إلى الانقسام والتنافس، بما يفتح المجال أمام شارع غاضب وناقم، أنهكته العقوبات والضغوط الاقتصادية لسنوات، كي يستغل هذه الفرصة لإسقاط النظام.
وقد رأينا الرئيس ترمب، بعد مقتل المرشد، كيف سارع إلى دعوة الإيرانيين إلى «اغتنام الفرصة»، بما يوحي بأن فكرة الانهيار أو إسقاط النظام لم تكن مجرد أثر جانبي محتمل، بل كانت جزءاً من الرهان السياسي نفسه. غير أن هذا التصور، على الرغم من جاذبيته لدى كثير من النخب داخل الإدارة الأميركية والكونغرس، ينطوي على قدر كبير من التبسيط، ويكشف عن سوء فهم لطبيعة التحول الجذري الذي أصاب الجمهورية الإيرانية خلال العقود الأربعة الأخيرة؛ فإيران لم تعد جمهورية آيديولوجية يقودها رجال الدين، بل تحولت تدريجياً إلى نظام تُهيمن عليه مؤسسة «الحرس الثوري»، وتتمركز في يده مفاتيح القرار السياسي والاقتصادي والعسكري والميليشياوي.
في السنوات الأولى بعد الثورة، ومع الحضور الكاريزمي لمؤسسها ومرشدها الأول الخميني، كانت شرعية النظام تقوم على الوهج الآيديولوجي، وسلطة ولاية الفقيه، وقدرة الخطاب الثوري على تعبئة الداخل وضبطه. لكن بعد وفاة الخميني عام 1989، تغيَّر الكثير من الأمور؛ فبدأت الشرعية الدينية والحماسة الثورية تتآكل تدريجياً، فيما تفاقمت التحديات الاقتصادية والاجتماعية، واتسعت الفجوة بين الشعارات والواقع، فلم يعد الخطاب الثوري وحده كافياً للتعبئة والسيطرة.
عند هذه النقطة، بدأ «الحرس الثوري» يُعيد تموضعه من جهاز أنشئ لحماية الثورة إلى مؤسسة تتولى حماية النظام نفسه، حتى انتقلت وظائف السيادة تدريجياً إليه. ولعلي أشير هنا إلى 3 وقائع سريعة تكشف هذا التحول بشكل واضح. الأولى كانت في عام 1999 في ذروة احتجاجات الطلبة، عندما قام 24 قائداً من «الحرس» بتوقيع رسالة تحذير إلى الرئيس محمد خاتمي بأنه في حال عدم اتخاذ خطوات حازمة سيؤدي ذلك إلى تدخل تلك القوات ضد الاحتجاجات الطلابية، وكان قاسم سليماني، إضافة إلى خليفته إسماعيل قاآني، من بين الموقعين. الثاني عندما اضطر الرئيس حسن روحاني عام 2013 إلى مطالبة «الحرس» علناً بالابتعاد عن السياسة. ثم جاء تسريب محمد جواد ظريف الشهير عام 2021، حين اعترف بأن «الميدان» بات أثقل من الدبلوماسية، الذي يشير فيه إلى «الحرس الثوري»، وبالذات «فيلق القدس» وشبكات النفوذ الخارجية. وهكذا جرى تفريغ الدولة ورجال الدين معاً من القرار السياسي والأمني الداخلي، بحيث بقيت الشرعية في الأعلى شكلية، في حين استقرت أدوات السيطرة الفعلية في الأسفل.
ولم يكتفِ «الحرس الثوري» باحتكار القوة بل بنى عبر العقود اقتصاداً موازياً جعله أكثر من مجرد مؤسسة عسكرية. فمنذ نهاية الحرب العراقية – الإيرانية، تمدد في معظم القطاعات الاقتصادية الحيوية والاستراتيجية للدولة، بدءاً من البناء والمقاولات والإعمار، مروراً بالطاقة والنفط، وانتهاءً بالنقل والشحن.
وتشير بعض التقديرات إلى أن القيمة الإجمالية لإمبراطوريته الاقتصادية تتجاوز 100 مليار دولار، عبر شبكة تضم أكثر من 800 شركة داخل إيران وخارجها. وهذا ما جعل منه فاعلاً اقتصادياً هائلاً يملك مصادر تمويل مستقلة نسبياً عن مؤسسات الدولة الرسمية، تحمي دوره العسكري، وتمول نفوذه السياسي، وتنسج شبكة ولاءات واسعة داخل المجتمع والدولة.
ولم يعد الأمر مجرد مزاحمة للدولة اقتصادياً، بل هو تجريد لها من احتكار الموارد الاستراتيجية، حتى صار المال الذي يمول الدولة، ويحرك الاقتصاد، ويصنع النفوذ، ويضمن بقاء النظام وقت الأزمات، يتحرّك خارج القنوات الرسمية للدولة. ولهذا، فإن العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على إيران، رغم قوتها وقسوتها، لم تضعف الحرس بالقدر نفسه الذي أضعفت به الاقتصاد الرسمي. بل إن الاقتصاد الذي يحمي «الحرس»، حسب كثير من الخبراء والمتابعين، ازداد نفوذاً وتوحشاً كلما زادت الحاجة إلى الالتفاف على العقوبات.والأخطر من ذلك، تمثل في أن إيران، عبر «الحرس الثوري»، لم تكتفِ بحماية حدودها من الداخل بل مدّت نفوذها خارج حدودها ليس عبر الأدوات الطبيعية التي تستخدمها الدول لحماية مصالحها خارج حدودها، كالدبلوماسية، والتحالفات، والاتفاقيات الأمنية، والردع النظامي المشروع، بل عبر بناء شبكات وكلاء عابرة للحدود، تعمل خارج منطق الدولة الوطنية، وتتحرك في المساحات الرمادية بين السيادة والقانون، بما جعل التمدد الإيراني أقرب إلى بنية نفوذ موازية للنظام الدولي، لا امتداداً طبيعياً لدولة تتصرف ضمن قواعده. وقد كان «فيلق القدس»، بوصفه الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري»، يدير أكثر من اثني عشر فصيلاً رئيسياً عبر ست ساحات إقليمية على الأقل، موَّلتها طهران في بعض الفترات بما يقارب مليار دولار سنوياً، بينها نحو 700 مليون دولار لـ«حزب الله» وحده.
وعليه فإن «الحرس الثوري» لم يعد مجرد منفذ لقرار الحرب، بل أصبح صانعه الفعلي، فانتقل قرار السلم والحرب من المؤسسات المعلنة إلى المؤسسة التي تملك الصواريخ والوكلاء وخريطة التصعيد الإقليمي، وبات هو الذي يُدير عبر شبكاته الإقليمية التصعيد والتهدئة، ويُحدد متى تُفتح الجبهات ومتى تُغلق.
ولعل محسن سازغارا، العضو المؤسس السابق في «الحرس الثوري»، كان من أكثر من التقط طبيعة هذا الكيان حين وصفه بالمؤسسة الغريبة والعجيبة في عملها ونشاطها، فيقول: «بدأ (الحرس الثوري) بالنشاط الاقتصادي، ومن ثم النشاط السياسي وتحول إلى مؤسسة غريبة لا مثيل لها في العالم. فهي تُماثل الجيش الأحمر الروسي، لكنها في الوقت نفسه تعمل كالمخابرات السوفياتية، وتعمل من جهة أخرى كمجلس أمناء رأسمالي على النمط الغربي، وفي الوقت نفسه تنشط كعصابة مافيا»، حتى بدت -على حد تعبيره- كأخطبوط ابتلع الدولة، وسيطر على معظم مجالات الحياة الإيرانية. وهذه العبارة، على ما فيها من قسوة، تكاد تختصر المسار الحقيقي للجمهورية الإيرانية خلال العقود الأربعة الماضية. وبالتالي من دون فهم هذا التحول، ستظل قراءات كثيرة تنظر إلى إيران كما كانت، لا كما أصبحت. فالجمهورية التي بدأت دولة تقودها العقيدة، انتهت عملياً إلى نظام يحرسه «الحرس الثوري»، ويملك بدرجات متفاوتة مفاتيح بقائه. ولهذا، فإن مستقبل النظام الإيراني لن يُقرأ من الواجهة الرسمية، بل من داخل «الحرس» نفسه: من تماسكه أو تصدعه، ومن وحدته أو بداية انقسامه.

