نشرت الأستاذة مرفت رشاد في “اليوم السابع”، مؤخرا، خبرا مهما، حول أن “الحكومة الألمانية بصدد إنشاء مجلس جديد للإشراف على استعادة القطع الأثرية والبقايا البشرية التي جرى الحصول عليها في سياقات استعمارية”، تحت اسم “مجلس تنسيق استعادة الممتلكات الثقافية والرفات البشرية من السياقات الاستعمارية”..
والحقيقة أن هذا الخبر مهم لأسباب كثيرة؛ خصوصا بالنسبة لنا في مصر، وذلك لأسباب واضحة تماما، ومعروفة تمام، تتمثل في أن أعدادا كبيرة جدا من الآثار المصرية تم نقلها، أو تهريبها أو سرقتها، من مصر، خلال فترة الاستعمار، وبيعها وعرض بعضها في بلدان كثيرة جدا.. وبعض هذه الآثار معروض بعناية في بعض متاحف العالم الكبرى، وبعضها تسلل إلى مقتنيات خاصة ببعض الأثرياء في هذا البلد أو ذاك، وبعضها للأسف لقي مصيرا أسوأ من هذا وذاك..
في مدينة “أوديسا” بأوكرانيا، في السنوات الأولى من هذه الألفية، فوجئت عند زيارة متحف آثار قريب من البحر، بعدد من الآثار المصرية القديمة.. وبقدر فرحي برؤية هذه الآثار في بلد بعيد، وفي مدينة نائية في جنوب أوكرانيا، بقدر شعوري بالأسى والأسف والغضب.. فهذه الآثار، ومن بينها تماثيل كبيرة، كانت معروضة بلا أي حماية، وتأثير الرطوبة، بنسبتها الكبيرة كان واضحا في المكان كله، وواضحا من ثم على كل المعروضات..
لقرون طويلة، ظلت الآثار المصرية مادة مغرية ومتاحة للنهب المنظم وغير المنظم.. ولعل هذا النهب قد تزايد في فترة الاستعمار التي أشار إليها الخبر السابق المهم.. والأمثلة على هذا أكثر مما يمكن إحصاؤه.. فحتى الآثار التي تم اكتشافها بشكل رسمي في تلك الفترة، وتسجيل محتوياتها وتوثيقها، وعلى رأسها مقبرة توت عنخ آمون، لم تسلم من السرقة.. فهذه المقبرة التي نسب اكتشافها إلى هوارد كارتر، أوائل عشرينيات القرن الماضي، لم تنج من السرقة الخفية..وهناك معلومات ظهرت، ونشر بعضها، وهناك كتابات متخصصة، تشير جميعا إلى أن هناك بعض القطع من هذه المقبرة قد أخفاها كارتر ولم يضمها إلى القائمة المعلنة لما تم اكتشافه.. وقبل هذا التاريخ، وهذا الاكتشاف الرسمي المنظم، ظل نهب الآثار المصرية قائما، لم يتوقف أبدا.. بل إن فترة إنشاء “الأنتكخانة”، أول دار مصرية مخصصة للآثار القديمة، في نهايات خمسينيات القرن التاسع عشر، صاحبتها وأعقبتها سرقات متعددة من الآثار المصرية (وقد وقف الروائي الأستاذ ناصر عراق عند هذه الظاهرة في روايته “الأنتكخانة”).. وبوجه عام، فهذه الظاهرة كتب عنه الكثير، ومن ذلك ما كتبه الدكتور وسيم السيسي، وأيضا ما كتبه الدكتور حسين عبد البصير، والدكتور أحمد هاشم الشريف، في هذه الصحيفة.
مع كل ما كتب عن هذه الظاهرة، فإنها لا تزال بحاجة إلى اهتمام.. وهناك جهود مصرية معروفة لاستعادة الآثار المسروقة، وقد نجحت هذه الجهود في بعض الحالات… لكننا بحاجة إلى تنظيم هذه الجهود، وإدماجها في مؤسسة كبيرة متخصصة، تستند إلى ما يحقق لها سطوة قانونية وتاريخية وثقافية دولية، تعمل على متابعة الآثار المصرية المنهوبة، وتسعى إلى استعادتها… والمؤكد أننا، في مصر، بحاجة إلى القيام بأكثر مما قامت به الحكومة الألمانية !

