حان وقت توجيه الضربات القاضية في مقتل، والتركيز على كل نقاط الضعف المتاحة لتعجيل النهاية الحتمية لثنائي الشر والفساد في العالم؛ فلم يعد الأمر مجرد تراجع سياسي عابر، بل هو تفكك شامل لمنظومة الغطرسة الأمركية والإسرائيلية التي أرادت لسنوات طويلة أن تركع الشعوب وتستبيح مقدراتها، عبر إدارات متعاقبة لمدد رئاسية استنزفت ثروات الأمة، وسرقت خيرات دول الخليج ونفطها، وصنعت الفتن والحروب لتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ.
إن استعراض أزمات هذا الثنائي الأخطر علي العالم يكشف بوضوح أننا أمام اللحظات الأخيرة لإمبراطوريات الوهم التي تجاوزت في دمويتها حتى أعتى طغاة التاريخ، وباتت اليوم تتخبط في مستنقع أخطائها الاستراتيجية التي لم تعد تملك القدرة على ترميمها.
فالرئيس الأمريكي (ترامب)، الذي طالما تباهى بقدرته على ابتزاز العالم وفرض إرادته بقوة الحديد والنار، يواجه اليوم أزمات بنيوية خانقة تهدد ما تبقى من نفوذه المتهالك، بدءاً من السقوط المدوي لمشروعه في أمريكا اللاتينية وانتصار الوعي الشعبي واليساري بقيادة “لولا دا سيلفا” في البرازيل رغم كل محاولات التضييق والتلاعب، مروراً بصدمة ثورة الشباب في صربيا التي أسقطت أتباعه وحلفاءه في قلب أوروبا، وصولاً إلى تصدع جبهته الداخلية الممتهنة بسياسات التخبط وفقدان أدوات الردع بعد أن أدركت الشعوب أن الإرادة الحرة قادرة على الالتفاف على التسييد الأمريكي وبناء تحالفات إقليمية مستقلة تماماً كما حدث في طهران حين تقاطعت إرادات القوى الكبرى لصياغة أمن ذاتي بمعزل عن الوصاية.
أما زعيم الكيان الصهيوني (نتنياهو)، مصاص الدماء فهو يعيش أسوأ كوابيسه التاريخية محاصراً بانهيارات غير مسبوقة على كافة المستويات؛ إذ تجسد أزمته الكبرى في التمرد العسكري المباشر حين يرفض رئيس الأركان والقيادة العسكرية الانصياع لأوامره بفتح حروب عبثية شاملة للهروب من المحاكمة والسجن، ناهيك عن العزلة الداخلية والانقسامات الوجودية العميقة التي تعصف بالكيان، والملاحقة الدولية بتهم الإبادة الجماعية التي تجعله مجرماً مطارداً بلا طوق نجاة، عدا عن سقوط رهاناته على حماية الحليف الأمريكي الذي بات هو نفسه يترنح تحت وطأة أزماته الخاصة.
ولأن العالم أوقف على حقيقة المخطط الخبيث الذي أمعن لسنوات في تمزيق الأوصال وبث الفرقة بين الأشقاء، فقد بدأ الجميع في استيعاب الأخطاء الجسيمة وتصليحها بجرأة ووعي غير مسبوقين. إن الترابط العضوي بين رأس الهرم في واشنطن ووكلائه في تل أبيب يعني حتمية قاعدية صارمة: بسقوط أحد الطرفين، سيتهاوى الآخر بالتبعية كأحجار الدومينو، لأن بقاء أحدهما كان يستند كلياً على دعم الآخر وتكامل أدوارهم الوظيفية والإجرامية.
التوقيت الحالي لا يحتمل التردد ولا سياسة “مسك العصا من الوسط”. فعلى الدول العربية تثبيت أركان استقلالها الإقليمي وتغيير قواعد اللعبة إلى الأبد، والوقوف على حقيقة أننا كعرب يجب ألا نسمح لدخول أي أطراف غريبة هنا إلى الداخل، وليكن لنا سياسة ثابتة متفق عليها تعيد لنا التوازنات، ودمجها في خطة واحدة معلومة تؤكد أننا قوة واحدة لنا خطط وعلينا بالدهاء السياسي لعدم ترك قوى الشر المتهالكة تلتقط أنفاسها وتعيد ترتيب صفوفها لحرق المنطقة من جديد.
ورغم أن هذه القوى المتهالكة قد تلجأ في نهاية فترتها الرئاسية إلى أوراق يائسة ومحاولات تصعيد أعمى لحرق ما تبقى من العالم قبل أن تبتلعها رمال التاريخ المتحركة، فإن جدار الخوف قد تهشم للأبد، وتكالب الأزمات على رأسَي الشر يعجل بساعة الصفر الحتمية، لتشرق شمس مرحلة جديدة تُكنس فيها رموز الاستعمار واللصوصية إلى غير رجعة وتستعيد الشعوب كامل انفاسها وسيادتها ومقدراتها المسلوبة وميزانياتها المهددة بالتراجع .

