أغنية وفيلم وحزب ولاعب كرة، أشياء لا رابط بينها فى الظاهر؛ لكنها جسّدت معا مشكلة تتسلّط على المجتمع، أو بالأحرى حزمة مشكلات، وكلها من نبعٍ واحد.
الازدواجية والتناقض، الغرور وتضخم الذات، قلة الفهم والوعى، انعدام لغة التواصل أو افتقادها للمعيارية، والرغبة فى السبق والربح بلا مشقة أو بأقل جهد ممكن.
راجت جملة ابن حزم حتى صارت معروفة لعموم الناس: «من تصدّر لخدمة العامة؛ فلا بد أن يتصدّق ببعضٍ من عِرضه…».
غير أن الأغلبية يرددون الكلام دوما، والأقلية يعملون به، وتلك واحدة من نكباتنا للأسف، ولا فرق فيها بين النخبة والقاعدة.
ومبرر التصدق من وجهة نظر الإمام الأندلسى؛ أن المرء مشتوم لا محالة، وإن واصل الليل بالنهار.
وما ذلك عن خسة وجحود؛ إنما لأن البشر متنوعون، لا نسخ كربونية، ومختلفون فى أفكارهم ونظراتهم للأمور كاختلاف بصمات أصابعهم.
وإرضاؤهم عزيز المنال، وكل ودٍّ لديهم يجاوره جَور وضيق، فالحسن والقبيح متلازمان فى ردود فعلهم على الدوام!
فكرة المقال ناشئة عن موقف أحد الفنانين؛ إذ لم يحتمل نقدا وجهه الجمهور العادى لأغنية بتوقيعه؛ فركبته عفاريت نظرية المؤامرة، وهدّد بالويل والثبور ومقاضاة الذين لم يعجبهم نتاج قريحته المنزّهة.
وفى الطريق إلى اختمارها قبل الكتابة، تشابكت معها بقية الخيوط: من حزب سياسى يفوز رئيسه بالتزكية، إلى ممثل يزعم الانحياز ضده ملوّحا بسحب فيلمه من دور العرض.
وبينهما صاحب أهم تجربة احتراف مصرية فى الملاعب الأوروبية، يقول ما يتخطى وعى الجمهور، أو يسىء البعض فهمه عن قصدٍ وسوء نيّة، وربما لأغراض مضمرة لدى طائفة منهم، لا سيما الأصوليين واللجان الإلكترونية المنظمة.
انتهى موسم محمد صلاح الأخير مع ليفربول، وغادر ناديه الأحبّ وشريك الشطر الأعظم من رحلته. والغالب أنه لا يرحل راضيا، والأمر لا يخلو من ضيق أو شعور بالخذلان.
نشر مقطع فيديو أقرب إلى مواساة الذات، يتحدث فيه عن الحلم الذى لم يكن يتخيله، والنموذج المحفز الذى صنعه على طول السنين الماضية، ومن جملة ما قاله إنه «ضحّى بشبابه» لبناء قصته الفردية.
كانت الكلمة مفتاح الثورة العارمة، والسخرية والنقد اللاذع من البعض؛ لأنهم اعتبروا مفردة «التضحية» أليق بشاب مكافح أو أرملة متعففة، لا بنجم أحرز الشهرة والمليارات فى مطلع الشباب.
وكلاهما صحيح. الفقراء يضحّون، وبعض الأغنياء أيضا. اللغة ليست سجنا ضيقا، والجدل ناشئ عن سوء الفهم وافتقادنا للمعجم الواحد.
لصلاح تضحياته فى القيود والضغوط والنظام الصارم، وللآخرين تضحياتهم، ولسنا فى سباق إلى منصة الأكثر تضحية، كما لا تُقاس الفوارق بدرجة المرارة أو ثقل الأحمال؛ إذ بعضها مشاوير طويلة، والبعض صبر وعشم وطموح تتعثر فيه الأجسام، وعلى قدر أهل العزم تأتى العزائم، وربما عانى شخص من حِمله الخفيف أضعاف ما عاناه سواه من الثقيل.
للأحزاب وظيفة واحدة؛ أن تتنافس. والامتداد الطبيعى أن تكون المنافسة على السلطة بمستوياتها.
وإن عجزت عن تطبيق النموذج داخليا؛ فالغالب أنها لن تنجح فيه خارجيا وعلى مقياس أكبر وأكثر استعصاء.
يُشبه ذلك نمطا من الكيانات الهشة، لا تتجاوز نطاق المقر واللافتة، مع بضع عشرات من القابضين على أمرها وحاشيتهم.
يُنظّرون عن الديمقراطية ولا يمارسونها، ويشيخون على مقاعدهم؛ حتى صارت لدينا عشرات اللافتات لا يعرفها الناس، ولا يهتمون بها عنوانا ومضمونا وتجربة عملية.
أهم من الرغبة فى الربح، أن تتقى الخسارة قدر الإمكان، وتعرف رائحتها لتشمّها وتتجنبها. وتلك النقطة تأخذنا لقاعة السينما، فى موسم تقل فيه الأعداد، ويستعر السباق.
أحد الأفلام طُرح قبل العيد بأسبوعين، عند مستوى يتذبذب حول 80 قاعة. الحصيلة أقل من 60 مليون جنيه، وأعداد الشاشات على حالها، والأزمة المُصطنعة مع فيلم آخر حقق الإيرادات نفسها تقريبا فى يومين فقط.
النجم المعترض ليس جذابا لجمهور السينما، رواجه محصور فى شاشة التليفزيون، وليس من النوعية التى يدفع الناس قيمة التذكرة لرؤيتهم، وله سابقة أفلام على مدى سنوات طويلة منذ ظهوره تُبرز المعنى وتؤكده.
فى المقابل، نجمان حقق كل منهما أعلى الإيرادات منفردا، ولقاؤهما فى حد ذاته حدث كبير، ناهيك عن أنه فى عمل ضخم الميزانية، مبهر فى تفاصيله ومؤثراته، وملىء بالمشاركين وضيوف الشرف من جنسيات شتّى.
ليس سوء الفهم هنا؛ بل الوهم والإنكار، حتى أن صاحبه يقبض على خدعة العدد، متجاهلا مثلا أن قاعاته الأقل غير ممتلئة، وقاعة غريمه الأكثر مزدحمة وعليها طوابير انتظار. وأن فيلما ثالثا بنجوم صف ثانٍ وعدد قاعات منه، تفوق عليه فى عدد التذاكر بثانى أيام العيد.
ومن تلك الحال، نصل لموضوع المقال أصلا، وباعث كتابته. المُبدع الذى يكتب و يُلحّن، فلا يُتقن هذا أو ذاك كما يجب، ولا يقبل النقد كأنه يضع نصوصا مقدسة أو يأتِ بما لم يستطعه الأوائل.
ولا أجد مبررا مقنعا إلا الطمع فى أجر مزدوج؛ ذلك أن منطق الصنعة نفسه يأبى الجمع بين العنصرين، إلا فى استثناءات يكون لها طابع التجربة الخاصة أو الدفقة الشعورية، وسأشرح بتفصيل أكبر.
يعمل الشعر والموسيقى إيقاعيا بمنطق واحد، ولكل منهما ميزانه وطرائقه؛ إنما تغلُب الأخيرة على الأول لو تحكّمت فيه، لأنها تُدخل على المنطوق عنصر الزمن، فيبدّل الأوزان تماما، ليكسر الموزون أو يضبط المنكسر ظاهرا. والمعنى لصيق بالمبنى، واللعب فى أحدهما قد يُشوّه الآخر.
الجدل يخص أغنية ثنائية لمطربة عائدة مع نجم أصغر منها قليلا. والغرابة الأولى أن الثلاثة وغيرهم يجهلون معنى «الدويتو» وطبيعته؛ فتجد قالبا أقرب فى كلامه للمونولوج، تغيب الحوارية تماما، ويُردد الاثنان الجملة نفسها، بمعزل عن الموضوع والدراما واختلاف النوع!
وفائدة الفصل فى الصنعة؛ أن يشترك فيها دماغان أولا، ثم تنقسم العملية إلى مرحلتين. لأن الملحن الكاتب سيطبخهما معا، وتتغلب النغمة على الكلمة، فتصير الجُمل حشوًا للتسكين وملء السطور، كحال أغنية صاحبتنا الأخيرة التى فجّرت الأزمة.
يحتج البعض بأن الملحن بدأ شاعرا، والأغنية استُمعت بكثافة. والحق أن البداية لا تدل على شىء، ولعله ضل الطريق ثم اهتدى. وكان إسماعيل ياسين يقدم نفسه مطربا قبل أن يقتنع بأنه أنسب للتمثيل. والرواج لا قيمة له فى ذاته؛ لأن الجيد والردىء يتداوله الناس، وآلاف المستهجنين فى جُملة التعداد محل التفاخر.
ما استفزنى أكثر فيديو الملحن، وادعاء أنه يواجه حملة ممنهجة، بمنطق لا يخلو من تضخيم الذات بلا مبرر. والمؤسف ما بدا فى الكلام من هشاشة نفسية لا تليق بشخص ناجح، ومن ضيق بالنقد يتناقض بالضرورة مع فكرة الإبداع نفسها، ثم مجاملات الأصدقاء الفجة بشكل يؤكد ما يردده الناس عن شللية الوسط الفنى للأسف!
للجمهور سابقة إشادة بالرجل نفسه، ولا معنى فى قبول هذا وإنكار تلك؛ إلا الشمولية وتحديد مسار وحيد للناس، يصفقون فيه فقط، ولا شىء آخر.
وأى عاقل منصف، لن يُنكر أن صناعة الغناء ليست فى أفضل حالاتها، وأن التردى يغلب على كلمات الأغانى وكتابها، وجرى تأميم المجال لصالح مجموعات تربطها علاقات أو مصالح، ويغلقون الباب على أى وافد جديد.
شهدنا تجربة ناجحة مؤخرا لاكتشاف مواهب التلاوة، وعرفت الساحة مسابقات عدة للأصوات. وحال المحتوى يؤكد أننا فى حاجة ماسة للبحث عن الشعراء والملحنين، وفرزهم، ومنح المستحقين منهم فرصة لطرح معادل للركاكة السائدة، والعمل على ضبط قانون العرض والطلب بمنافسة جادة، ومن دون شللية أو احتكار.
مصر منجم ذهب يتفجر بالمبدعين فى كل المجالات، وأكبر من كل النماذج السائدة، وأقدر على انتقاء وتسييد الأفضل دائما.

