تأتي رواية “الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى” للروائي محمد البرمي، والصادرة عن دار الشروق، في حجم صغير، لا يتجاوز 140 صفحة، لكنها تنتمي إلى ذلك النوع من الأعمال التي تراهن على الكثافة أكثر من الاتساع وعلى الإيحاء أكثر من الشرح والتفسير، وعلى تفكيك الداخل الإنساني أكثر من ملاحقة الحدث الخارجي، تبدأ الرواية بفصل “الوصية”، وتنتهي بفصل “الخلاص”، وبين البداية والنهاية تتشكل رحلة شخصية مأزومة، تحمل داخلها أثر عائلة وقرية ومدينة ومرحلة كاملة من تاريخ مصر الاجتماعي والنفسي.
تبدو وصية الأب مدخلًا رئيسيًا لفهم العالم الروائي كله، فهي مفتاح دلالي يضع القارئ أمام جوهر الأزمة، يقول الأب في وصيته “لا تدع نفسك تفسد.. يذهب الناس ويعودون.. قتل قابيل هابيل، كان يمكن لهابيل أن يقتل قابيل لو توافرت الأسباب أو الرغبة.. كان لإخوة يوسف أسباب لكراهيته فألقوه في الجب، كان لإخوتي كل الأسباب ليحبوني لكنهم على الرغم من هذا اختاروا كرهي…إلخ”، هذه الوصية تكشف مبكرًا أن الرواية تتحرك في منطقة الجرح الأول العائلة والأخوة والخذلان والفساد الداخلي الذي قد يصيب الإنسان قبل أن يلتفت إلى العالم من حوله، يحضر قابيل وهابيل ويحضر إخوة يوسف بوصفهما نموذجين عميقين للصراع الإنساني القديم، وللكراهية حين تأتي من القريب، والخذلان حين يصدر ممن يفترض فيهم أن يكونوا سندًا.
ومن هنا يتشكل البطل بوصفه شخصية مأزومة، تنتمي إلى زمننا الحديث بكل ارتباكاته، يحمل داخله آثار ما جرى من تغيرات وما لحق بالمجتمع المصري من تحولات بعد أحداث يناير، وما ترتب عليها من اضطراب في العلاقات وتبدل في القيم وتشابك في المصائر.
الرواية، على صغر حجمها، تقدم قراءة لمرحلة كاملة، مرحلة بدا فيها الجميع وكأنهم خرجوا من تجربة عنيفة، تركت في كل واحد منهم أثرًا ظاهرًا أو مخفيًا.
في هذا العالم، تبدو الشخصيات كلها واقعة تحت ضغط ما، لكل شخصية عطبها الخاص وأزمتها الخاصة، ولكل شخصية شكلها المختلف من أشكال الهزيمة، البطل نفسه حقق نجاحًا ما، لكنه لا يملك القدرة على الشعور بهذا النجاح، يعيش إحساسًا دائمًا بالخسارة والتيه والخذلان، كأن ما وصل إليه في الخارج لم يرمم ما تهدم في داخله، ووسط هذه الفوضى، تبدو علاقته بابنته المساحة الإنسانية الأكثر صفاءً في حياته، العلاقة جاءت متأخرة لكنها منحته فرصة نادرة للتماسك، ومحاولة الحفاظ على معنى صغير وسط عالم يتآكل.
من الشخصيات المهمة في الرواية شخصية “رباب”، التي قد يتعاطف معها القارئ في البداية ويظن أنها استطاعت النجاة من هذا الخراب، لكن الرواية تكشف مع الوقت أن النجاة هنا فكرة ملتبسة، فرباب أيضًا تحمل ندوبها الخاصة، وتدخل ضمن شبكة العطب العام التي تهيمن على الشخصيات، وبهذا المعنى يقدم محمد البرمي عالمًا معطوبًا تتوزع آثاره على الجميع بدرجات مختلفة.
ويعتمد الخطاب السردي في الرواية على هدوء ظاهري يخفي تحته قلقًا عميقًا، فالراوي يبدو قادرًا على الفهم والتأمل وترتيب الحكاية، لكنه في الوقت نفسه يكشف عالمًا مضطربًا، لا تستقر فيه الذات ولا العلاقات ولا الأماكن، هذا الهدوء طريقة في السيطرة على الفوضى، ومحاولة لإعادة ترتيب الخراب عبر اللغة.
وتتسع دلالات الرواية من خلال مجموعة من المرجعيات التي يستخدمها الكاتب بذكاء، تبدأ هذه المرجعيات من الوصية نفسها، حيث يحضر قابيل وهابيل ويوسف وإخوته، ثم تمتد إلى الأغنيات الشعبية والمهرجانات، والسينما والأماكن ذات الذاكرة المصرية، هذه المرجعيات تعمل داخل النص بوصفها علامات تساعد القارئ على فهم الشخصيات وبيئتها، وتفسير ظهورها واختفائها، وقراءة الارتباك الاجتماعي المحيط بها.
وتتحرك الرواية بين القاهرة وذكريات القرية التي جاء منها البطل، غير أن المسافة بين المكانين تبدو أقل مما نتصور، فالقرية تحمل جرحها، والقاهرة تحمل زحامها، والبطل يعاني هنا وهناك، ربما اكتسب مع الوقت قدرة على التحايل على العالم، لكنه تحايل ثقيل لا يصدر عن رغبة وإنما عن اضطرار، فقد كان يتمنى حياة أبسط أقل صخبًا وأقل اضطرارًا إلى ارتداء نسخ متعددة من نفسه.
ومن أهم مفاتيح الرواية فصل “الزحام”، فالزحام هنا يتجاوز ازدحام الشوارع والأماكن، ليصبح حالة داخلية، هناك زحام في نفس البطل، وزحام في نفس رباب، وزحام في أرواح الشخصيات كلها، المدينة مزدحمة والذاكرة مزدحمة والعلاقات مزدحمة بالخوف والخذلان والتوقعات المؤجلة، لذلك تصبح الأغنيات المستخدمة داخل النص جزءًا من هذا الزحام مثل الإشارة إلى أغنية عن “الصحاب الغدارين” المنسوبة إلى مطرب المهرجانات عصام صاصا، حيث تدخل الثقافة الشعبية اليومية في نسيج الرواية بوصفها تعبيرًا مباشرًا عن المزاج العام وعن لغة الشارع وعن المشاعر التي لم تعد تجد صياغة كلاسيكية هادئة.
وفي فصل “الموعد” ترد جملة لافتة “كم نسخة منك تحتاج أن تستنسخ لكي تعيش؟”، هذه الجملة تختصر جانبًا أساسيًا من خطاب الرواية، فالإنسان في القرن الحادي والعشرين أصبح مطالبًا بأن يوزع نفسه على صور متعددة، نسخة للعمل، ونسخة للعائلة، ونسخة للحب، ونسخة للنجاة، ونسخة للتعامل مع الخسارة، ومع كثرة النسخ يضيع الأصل أو يتراجع وتصبح الذات نفسها موضع سؤال.
هنا يظهر وعي الرواية بتعقيد الزمن المعاصر، فالشخصية لم تعد تواجه حدثًا واحدًا أو خصمًا واضحًا، وإنما تواجه شبكة من الضغوط، ذاكرة عائلية وخيبة اجتماعية وتحولات سياسية ومدينة خانقة وعلاقات عاطفية مرتبكة، وسوق عمل وأبوة متأخرة وحاجة دائمة إلى التماسك أمام الآخرين، لذلك يبدو البطل، في جوهره، ابنًا لهذا الزحام الكبير.
ومن العناصر المهمة في الرواية حضور المكان بوصفه جزءًا من الخطاب، لا مجرد خلفية للحدث، يوظف محمد البرمي أماكن مصرية دالة، مثل نهر النيل والزمالك ومصر الجديدة ووسط البلد والمعادي ومسجد سيدنا الحسين، هذه الأماكن تظهر بوصفها علامات على طبقات اجتماعية وثقافية ونفسية مختلفة، فالقاهرة هنا مدينة متعددة الوجوه تمنح الشخصية فرصة للحركة لكنها تضاعف شعورها بالتيه.
كما تحضر المرجعية السينمائية عبر فيلم “أرض الخوف” للفنان أحمد زكي والمخرج داوود عبد السيد، وهي إحالة لها دلالتها داخل النص، فالفيلم نفسه يقوم على التباس الهوية وتعدد الأدوار ودخول الإنسان في لعبة طويلة تفصله تدريجيًا عن صورته الأولى، ومن ثم فإن استدعاء هذه المرجعية يخدم سؤال الرواية عن النسخ المتعددة من الذات وعن الثمن الذي يدفعه الإنسان حين يضطر إلى تمثيل أدوار كثيرة كي يواصل الحياة.
نقطة أخرى مهمة جدا في كتابة محمد البرمي فهو يميل إلى واقعية خاصة تقدم الشخصيات بوصفها شخصيات مرصودة من الحياة، التقطتها عين أدبية واعية، ثم أعادت تنظيمها داخل بنية روائية، أبطاله لا يحملون بعدًا أسطوريًا، ولا يتحركون في فضاء متعالٍ على الواقع، وإنما يجيئون من الشارع والبيوت والقرى، من العلاقات المكسورة والتفاصيل اليومية التي تبدو عادية قبل أن يكشف السرد عمقها.
لذلك يمكن قراءة “أناشيد الآلهة والنياشين للحمقى” بوصفها رواية عن الإنسان المصري في مرحلة ما بعد التحولات الكبرى، هي رواية عن النجاح الذي لا يمنح صاحبه سلامًا وعن المدينة التي لا تمنح ساكنها يقينًا، وعن العائلة التي قد تتحول من مصدر حماية إلى أصل للخذلان وعن الذات التي تضطر إلى تعدد أقنعتها كي تواصل الوجود.
العنوان نفسه يحمل مفارقة دالة “الأناشيد” ترتبط بالآلهة، و”النياشين” تمنح للحمقى، كأن الرواية تقول إن العالم المعاصر فقد قدرته على توزيع المعنى بعدل، فالأغنيات العالية تذهب إلى جهة، والأوسمة إلى جهة أخرى، بينما الإنسان العادي يظل محاصرًا بين المعنيين، ومن داخل هذه المفارقة يتحرك النص، واضعًا شخصياته في منطقة بين الرغبة في الخلاص والعجز عن بلوغه.

