في لحظةِ بدء «حماس» عمليةَ «طوفان الأقصى»، وجّه محمد الضيف قائد «القسّام» نداء إلى «الشباب الفلسطيني في الضفة والقدس وداخل إسرائيل للانتفاض… كل مَن عنده بندقية فليُخرجها؛ فقد آن أوانها». وحثّ الضيف الأمتين العربية والإسلامية على التحرك، ودعا «المقاومة الإسلامية في لبنان وإيران واليمن والعراق وسوريا… إلى الالتحام مع المقاومة في فلسطين».
ومع اختراق «حماس» وحلفائها الحدود وبدء القتال داخل المستوطنات، في صباح السبت يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بدا أن النظام الإيراني استهل طوراً جديداً من مخططه للسيطرة على المنطقة، استناداً إلى الأذرع العسكرية التي غرسها في بلداننا؛ حماية لـ«الثورة الإسلامية» من جهة، ومن الجهة الأخرى لمد نفوذه ورؤيته لـ«إيران الكبرى». تبعاً لذلك، وصل قائد «الحرس الثوري»، إسماعيل قاآني، إلى معقل «حزب الله» ليل 7 – 8 أكتوبر 2023، وبعد ساعات استُهدفت 3 مواقع إسرائيلية في مزارع شبعا، لتبدأ «المشاغلة»؛ فالانخراط في جريرة حرب «إسناد» غزة.
لكن إطلالة حسن نصر الله التي تأخرت حتى 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، وأعلن عنها قبل أسبوع وسبقتها دعاية بصرية، حملت إعلاناً عن «فلسطينية» المعركة؛ «خططت لها ونفذتها (حماس) من دون علم (الحزب) مسبقاً (…)»، فبدا الخطاب يحاكي ما أعلنه نصر الله في أوج حرب يوليو (تموز) 2006: «لو كنت أعلم…»! كل ذلك يفضي إلى حقيقة أن الأذرع التي أنشأتها إيران، واستثمرت فيها المليارات لتحويلها كياناتٍ موازيةً، خصوصاً في لبنان، جزء لا يتجزأ من البنية العسكرية الإيرانية وقرارها في طهران. تأكد الأمر مجدداً بإطلاق الصواريخ من لبنان، يوم 2 مارس (آذار) 2026؛ وبدء نكبة حرب «الإسناد» الثانية؛ لإيران هذه المرة. ولأنها حرب إيرانية؛ فقد برز عجز محلي عن إمكانية الخروج منها.
لا جدال في أن للعدو الإسرائيلي أطماعَه في لبنان؛ أرضِه ومياهِه، ومع التحول في الاستراتيجية الإسرائيلية بعد مأساة «الطوفان» باعتماد استراتيجية «الدفاع المتقدم» عن الحدود، عادت طروحات الاستيطان تتقدم انطلاقاً من مخطط المنطقة العازلة خلف «الخط الأصفر» الآخذ في الاتساع. لقد أدخلت إيران لبنان في حرب لا شأن له بها، فأوكلت قيادة «الفيلق اللبناني» في «فيلق القدس» إلى «الحرس الثوري» مباشرة، بعدما كان العدو الإسرائيلي قد قضى على «مجلس الجهاد» وقادة الميدان وأخرج قوات النخبة في ضربة «البيجر»، فاستبيحت البيوت والأرض التي «لا تشبّث بها»؛ مما تسبب في خسائر مروعة، خصوصاً في جبل عامل: إبادة بشرية، واقتلاع قسري، وإبادة عمرانٍ وذاكرةٍ وماضٍ وحاضرٍ، وتقديم لبنان لقمةً سائغة للعدو الإسرائيلي.
الضرورة فرضت نفسها لمحاولة حماية الأرواح والمتبقي من العمران، فكانت المفاوضات المباشرة الشاقة والمحفوفة بالمخاطر. ولا يبدّل من هذا المنحى تضمين «إطار التفاهم» الأميركي – الإيراني إعلاناً بوقف النار في لبنان؛ على أهميته، فأولويات بيروت تتضمن؛ إلى وقف النار، وضعَ جدولٍ زمني للانسحاب واستعادة كامل الأرض، وحقَ العودة غير المشروطة. وهنا تكمن التحديات مع مفاوض إسرائيلي مثل يحيئيل ليتر؛ المنظّر الآيديولوجي الصهيوني الداعم للاستيطان. بين يديه واقعةُ كارثةِ «الطوفان» ودلالاتها، ليربط منع احتمال وقوع هجمات في المستقبل بالسيطرة الإسرائيلية الميدانية، وما تتطلبه من آليات رقابة ومناطق عازلة. ومؤكد أن العدو الإسرائيلي سيصر على الاحتفاظ بحق التدخل (الاستباحة)، وهذا أمر تضمّنه «إطار التفاهم» بذريعة منع «حزب الله» من إعادة تسلّحه.
لذلك؛ يبدو ما يواجهه لبنان تحدياً يتطلب تلازم التحرير والتخلص من إسرائيل وإيران، من دون إسقاط الأثمان التي ستترتب على لبنان؛ البلدِ المنهوب والموجوع والواقعِ تحت وطأة هزيمة كبرى مدعوّ لتحمل تداعياتها: إسرائيل تقضم الأرض وتوسع من نطاق احتلالها، ولا يمكن للبنان أن يستعيد استقراره إن بقي سلاح إسرائيلي. وإيران أنشأت دويلة موازية نافذة مسموعة الكلمة، كما سعت إلى ترسيخ مفهوم «المقاومة» الدائمة، والأصح «المقاولة»، فمنعت بذلك قيام الدولة القادرة العادلة، واسترهنت الأرض والشعب، وحولت الجنوبيين أكياسَ رملٍ دفاعاً عن مصالحها وأهدافها الآثمة.
يوم 2 مارس الماضي، صدر القرار الحكومي بحظر العمل العسكري والأمني لـ«حزب الله»؛ لأنه خارج عن القانون. استند القرار الكبير إلى تنبُّه السلطة لواقع أن «حزب الله»، بوصفه منظمة عسكرية، هو جزءٌ من «الجمهورية الإسلامية»؛ ليصبح وجوده اعتداء على الدولة اللبنانية. هنا تبدو التحديات أوسع وأكبر؛ لأن ما تنبغي مواجهته وتفكيكه لا يقتصر على السلاح، بل يتعداه إلى بنية الدولة المخترَقة بعقبات جدية طالت مفاصل السلطة؛ مما عطل تنفيذ القرارات الحكومية، وأظهر استمرار نفوذ «الحزب» داخل مؤسسات الدولة.
وفي التوقيت الراهن ينبغي التوقف عند أبعاد العقوبات الأميركية التي طالت، ضمن من استهدفتهم، ضابطين كبيرين في الخدمة الفعلية. إنه أمر يحدث لأول مرة في لبنان… أهميته في ما يحمله من دلالات أمنية وسياسية، تلتقي عند عنوان إزالة العقبات التي تَحول دون تنفيذٍ مقبول للقرارات الحكومية. هذه العقوبات، بمن استهدفتهم، ينبغي لها أن تتصدر الاهتمام الرسمي؛ لأن لبنان لا يملك ترف الانتظار أمام جرس إنذار أميركي، يدعو إلى تحرير آليات تنفيذ قرارات مجلس الوزراء؛ مما قد يمنح المفاوض اللبناني مساحة أكبر ومصداقية أعلى.

