السؤال الثقيل حاليا الذى يدور خلف كواليس صنع القرار فى أوروبا وأمريكا والصين وروسيا، وأيضا دول الإقليم، وحتى الداخل الإيرانى، مفاده: عندما تضع الحرب الأمريكية الإيرانية أوزارها.. من سيحكم إيران؟ فما قبل الحرب شىء وما بعدها شىء آخر، وللإجابة على هذا السؤال الصعب، لا بد من العودة إلى جذور النظام الحالى عقب الثورة 1979، التى جاءت بنظام مركب، يمزج بين الجمهورية وربطها بالإسلام، وأن القرار السيادى فيها بمباركة المرشد الأعلى، ووفق «ولاية الفقيه العامة» التى تعد امتدادا لمعظم صلاحيات «الإمام الغائب»، ومن ثم فإن المرشد الأعلى يمتلك شرعية فقهية وقانونية، وأن بناء الدستور الإيرانى قائم على هذين الأمرين.
المشرعون القائمون على صياغة الدستور عقب نجاح الثورة الخمينية، اعتمدوا على صياغة أنظمة وآليات تضمن أن تُنتخب المؤسسات شعبيا، مثل البرلمان والرئاسة وغيرهما، فى الوقت ذاته تخضع هذه المؤسسات لإشراف «الولى الفقيه» باعتباره المالك الحصرى للشرعية الدينية.
وضع المؤسسات فى الدستور معقد، فعلى سبيل المثال، لا يمكن فهم السياسة الخارجية للدولة الإيرانية، بشكل عام، وتجاه الولايات المتحدة الأمريكية وجيرانها العرب، بشكل خاص، من خلال وزارة الخارجية فقط، وإنما كجزء من شبكة متداخلة من المؤسسات المنوط بها صناعة وتنفيذ القرارات العليا.
الدستور الإيرانى لا يسمح بأن القرارات الخارجية يتحكم فيها جهاز دبلوماسى واحد، ولا يمنح رئيس الجمهورية سلطة منفردة فى الشؤون السيادية، إنما يوزع الاختصاصات وفق بنية هرمية تنتهى عند المرشد الأعلى، وتمر عبر مجلس الأمن القومى، والحرس الثورى، ومجالس تشريعية ثم تنتهى عند وزارة الخارجية التى تصيغ القرار بلغة دبلوماسية.
المادة 110 من الدستور الإيرانى حاكمة فى هذا البناء، فهى التى تمنح «القائد» صلاحية تحديد السياسات العامة للنظام، بعد التشاور مع مجلس تشخيص النظام، وأيضا الإشراف على حسن تنفيذها، علاوة على القيادة العامة للقوات المسلحة، وإعلان الحرب والسلم والتعبئة وتعيين قائد الحرس الثورى، وكبار القادة العسكريين، مما يجعل من المرشد الأعلى مركز الثقل فى الدولة.
رئيس الجمهورية فى الدستور الإيرانى يأتى فى المرتبة الثانية بعد المرشد الأعلى، ويترأس السلطة التنفيذية، من خلال إدارته للحكومة، باستثناء الملفات المتعلقة بالعلاقة مع واشنطن، والبرنامج النووى، والردع الإقليمى.
أما المجلس الأعلى للأمن القومى، فهى المؤسسة الأكثر أهمية، والمسؤولة مسؤولية مباشرة عن تحويل التوجيه العام للمرشد الأعلى، لقرار عملى، ووفق المادة 176 من الدستور الإيرانى، فإنها تحدد مهام «المجلس» فى تأمين المصالح الوطنية وحراسة الثورة الإسلامية، وتحديد السياسات الدفاعية والأنشطة السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية.
وبقراءة تركيبة «المجلس الأعلى للأمن القومى» يتبين أنها متشابكة ومعقدة، كونها تتألف من جهات عدة، أبرزها، رؤساء السلطات الثلاث، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، وقائد الحرس الثورى، وقائد الجيش، وممثلون عن وزارات الخارجية والداخلية والاستخبارات والدفاع.
أما الحرس الثورى، فإن المادة 150 من الدستور تحدد مهامه، باعتباره حارس الثورة ومنجزاتها، لكنه فى الفترة الأخيرة، وإبان الحرب، يلعب الدور الأبرز والمحورى، وله الكلمة العليا فى ملف السياسة الخارجية، وأيضا ملف الوكلاء والتسليح والممرات البحرية.
وتأسيسا على هذا التسلسل الهرمى للقيادة فى إيران، ووفق الدستور، فإنه يتبين حجم التشابك الشائك، والمعقد إلى حد كبير، وأنه بالعودة للسؤال الثقيل: من يحكم إيران عقب انتهاء الحرب؟ فالحقيقة الواضحة أن هناك ضبابية فى المشهد السياسى الإيرانى، خاصة بعد اغتيال المرشد الأعلى وكل رجاله من الصف الأول والثانى وحتى الثالث، وفى ظل الغياب الكامل لخليفته، مجتبى خامنئى، مما يجعل من آلية صنع القرار الحالى أكثر تعقيدا، وفى ظل سيطرة الحرس الثورى على مطبخ صنع القرار، لذلك فإن مستقبل الحكم فى إيران بعد انتهاء الحرب، ووفق توقعات كل المحللين والمراقبين، وأيضا وفق الواقع على الأرض، سيبقى مركزا فى الدائرة الأمنية الضيقة، وسيعلو التشدد والغلو، بينما تتراجع المرونة السياسية، ويتقلص المسار الدبلوماسى، وهو ما يشى بأن المستقبل سيكون محفوفا بالمخاطر فى الداخل والخارج الإيرانى، إن لم تكن هناك أصوات عاقلة وحكيمة!

