إن التطور العلمي والذكاء الاصطناعي وامتلاك خوادم السوشيال ميديا ساهم في تطور العلوم الإنسانية، ولكل إنجاز علمي إيجابياته وسلبياته، وفي زمن ما بعد العولمة لا بد من تفعيل القاعدة الذهبية عند التعامل مع الأخبار على جميع وسائل السوشيال ميديا، وهي قاعدة: “التحقق قبل التصديق والتصديق قبل المشاركة”، أي إنك كمشاهد عندما تشاهد خبرًا على السوشيال ميديا يجب عليك أن تتحقق أولًا من مصدره: هل المصدر موثوق به؟ ثم تتأكد من مصداقية الخبر على السوشيال ميديا وعبر المصادر الرسمية للتأكد مما إذا كان الخبر صحيحًا أو بغرض الترند أو مزيفًا، وبعد التأكد والتصديق من الممكن أن تشارك الخبر على صفحتك الشخصية إذا كان نشره لا يؤذي منظومة القيم.
وتُستخدم الأخبار المزيفة في إطار الحرب النفسية والعمليات النفسية التي يتم شنها عبر مراكز متخصصة بهدف التشكيك والتقليل من دولة معينة على سبيل المثال، أو مؤسسة أو شخصية عامة، من قبل منافسين وحاقدين عبر نشر أخبار كاذبة، ومن الممكن أيضًا أن يتم تحسين صورة أو سجل دولة معينة أو مؤسسة أو شخصية عامة.
وقد ضربت السيدة رئيسة وزراء إيطاليا أروع الأمثلة في التعاطي مع واقعة هزت الأوساط السياسية والتقنية عالميًا؛ إذ اتخذت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجا ميلوني، خطوة غير مسبوقة بإعادة نشر صورة مسيئة لها تم توليدها بالذكاء الاصطناعي، تظهر فيها بوضع خاص على السرير، وذلك لشن هجوم مضاد على خصومها السياسيين الذين تداولوا الصورة كأنها حقيقية. وقد علقت على الصورة عبر حساباتها الرسمية قائلة: “عليّ الاعتراف بأن من قام بتزييفها قد حسّن صورتي ملحوظًا، لكن الواقع أن كل شيء يُستخدم اليوم لمجرد الهجوم واختلاق الأكاذيب”.
وأكدت أن الخصوم المتعصبين هم من يقفون وراء ترويج هذه القذارة السياسية، ولم تكتفِ رئيسة وزراء إيطاليا بالدفاع عن نفسها، بل وجهت رسالة تحذيرية قوية: “التزييف العميق أداة خطيرة قادرة على الخداع والتلاعب وإلحاق الضرر بأي شخص.. أنا أستطيع الدفاع عن نفسي، لكن الكثيرين لا يستطيعون”، ووضعت قاعدة ذهبية للتعامل مع العصر الرقمي، وهي: “التحقق قبل التصديق، والتصديق قبل المشاركة”.
وأغلقت الشرطة الإيطالية عدة صفحات ومواقع تورطت في نشر هذه الصور، وسط دعوات دولية لسن قوانين تُجرّم استخدام الذكاء الاصطناعي في تدمير سمعة الشخصيات العامة والمواطنين على حد سواء.
إن امتلاك الشجاعة والثقة بالنفس والقاعدة الشعبية هو ما مكّن السيدة رئيسة وزراء إيطاليا من التعامل مع الحملة الممنهجة للإساءة إليها سياسيًا.
وهنا لا بد من تساؤل أطرحه على الجميع، متخصصين وعامة:
“هل تعتقدون أن الذكاء الاصطناعي أصبح أخطر سلاح لتصفية الخصوم السياسيين في عصرنا الحالي؟ وكيف يمكن للمجتمعات حماية نفسها من التزييف العميق؟”
وقبل الإجابة لا بد أن نتذكر أننا في حقبة زمنية يُصدَّق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق.
ومن دراستي الشخصية وخبراتي، أجد أن التجذر الحضاري والعودة إلى العادات والتقاليد المتوارثة، وتربية الأجيال الجديدة على منظومة القيم العربية في المسجد والكنيسة، تعتبر حصنًا حصينًا يحمي مجتمعاتنا العربية من تلك الممارسات.
فنحن في عالمنا العربي نمتلك العادات والتقاليد ونحترم الدين، فيجب علينا جميعًا قبل أن نشارك أي خبر على صفحاتنا الشخصية أن نتحقق من مصداقيته، ومن كونه داعمًا لمنظومة القيم.
ويجب علينا جميعًا أن نتجاهل الأخبار التي تسهم في شق الصف العربي، فنحن كعرب نعيش حقبة زمنية من أصعب الحقب على مر التاريخ، تتداعى علينا فيها الأطراف التي تختلف مصالحها مع وحدتنا العربية وقوتنا، فيجب علينا جميعًا مراعاة مصداقية أي خبر قبل مشاركته، والابتعاد عن نشر الأخبار التي تفرقنا.
دمتم في نعمة الستر والصحة.

