في عام 1945، حين انتهت الحرب العالمية الثانية، طلب الرئيس الأميركي، فرانكلين روزفلت، من مدير إدارة البحث العلمي والتطوير في الولايات المتحدة، فانيفار بوش، تقريراً يوضح كيف يمكن للعلم أن يخدم الولايات المتحدة في أوقات السلم كما خدمها في أوقات الحرب، وبوش كان مشرفاً على توجيه الجهود الأميركية نحو خدمة الحرب، بما في ذلك تنظيم مشاريع كبرى مثل البرنامج الذي قاد إلى تطوير القنبلة الذرية، واستجابة لطلب الرئيس، قدم بوش تقريره الشهير «العلم: الجبهة التي لا نهاية لها». وقد كان هذا التقرير خريطة طريق واضحة لكيفية تحويل المعرفة إلى قوة اقتصادية واستراتيجية، عبر تمويل مستقر للبحث العلمي وأبحاث الأساس، وحماية هذا التمويل من التقلبات السياسية. وفي عام 1950 ولدت إحدى أعرق المؤسسات العلمية في العالم، وهي «المؤسسة الوطنية للعلوم» (NSF)، ومعها «مجلس العلوم الوطني» الذي أسس ليوازن بين دعم الدولة واستقلال العلم.
وقد صمم «مجلس العلوم الوطني» ليكون ركيزة في دعم المنظومة العلمية الأميركية، فهو يقدم المشورة، ويشارك في رسم التوجه الاستراتيجي للبحث العلمي، ويوافق على الميزانيات، ويحدد أولويات التمويل، ويقدم تقارير دورية للرئيس والكونغرس حول حالة العلوم والهندسة، ولكي لا يختل التوازن الذي أسس المجلس لأجله، فقد حُصّن مؤسسياً عبر فترات عضوية متداخلة تمتد ست سنوات، ويجري اختيار أعضائه على أساس السجل المتميز، بما يضمن أن تدار أولويات العلوم وفق أفق طويل، لا وفق دورات انتخابية قصيرة، كل ذلك بهدف أن يكون العلم لأجل المعرفة لا السياسة، كل ذلك كان قبل أن يتدخل الرئيس الحالي دونالد ترمب في هذه المنظومة.
فمنذ توليه السلطة، اتسمت علاقة ترمب بالمؤسسات العلمية بالتوتر، وشهدت سنوات رئاسته تقليصاً في الميزانيات، وإلغاءً لعدد من المنح البحثية، وإعادة تشكيل بعض اللجان الاستشارية، وأصبح التدخل واضحاً في قرارات تمويل الأبحاث لتكون تحت سيطرة السلطة التنفيذية، وتغيرت كوادر المؤسسات نفسها، حيث فقدت المؤسسة الوطنية للعلوم نسبة كبيرة من موظفيها، وبقيت منذ نحو عام دون مدير مصادق عليه، وبالنظر إلى هذه العلاقة، لم يكن مفاجئاً حين أصدر البيت الأبيض قراراً هو الأول من نوعه طوال خمسة وسبعين عاماً منذ إنشاء هذه المؤسسة العلمية، وهو إقالة جميع أعضاء مجلس العلوم البالغ عددهم 22 دفعة واحدة، وبشكل فوري، ودون سابق إنذار.
ويبدو هذا القرار لوهلة غير مبرر، إذ إنه مثل سابقة في تاريخ المؤسسة، وفتح باب تساؤل حول مستقبل الحوكمة العلمية في الولايات المتحدة، ويبدو أن البيت الأبيض استند على قرار سابق للمحكمة العليا في عام 2021، مفاده أن من لا يصادق عليه مجلس الشيوخ ينبغي ألا يمارس صلاحيات مؤثرة مثل توجيه السياسات والموافقة على التمويل، بالرغم من أن مجلس العلوم تاريخياً كان يصادق عليه من مجلس الشيوخ ولكن ذلك توقف في وقت سابق. والواقع أن المؤسسة العلمية الأميركية لا تعجب ترمب بسبب توجهات عديدة، مثل إيمانها العميق بالتغير المناخي الذي شكك ترمب كثيراً في صحته، ودور اللقاحات في الصحة العامة، وبالتأكيد بعض توجهاتها اليسارية الأخرى، وهو ما يرجّح أن دوافع هذا التغيير سياسية أكثر من غيرها.
وقد عُرف ترمب أنه لا يفضل المسؤولين ممن لا يوافقونه الرأي، أو الذين قد يصرحون بما لا يعجبه، وقد جاء توقيت الإقالة الجماعية قبل أيام قليلة من اجتماع كان مقرراً في الخامس من مايو (أيار)، حيث كان المجلس يستعد لنشر تقرير مؤشرات العلوم والهندسة لعام 2026، وهو أحد أهم التقارير الدورية له، وتشير المعطيات إلى أن التقرير كان يتناول تراجع الموقع العلمي للولايات المتحدة لصالح الصين، وهو بالتأكيد ما لا يريد ترمب سماعه.
تداعيات هذا القرار خطيرة على الولايات المتحدة، ومؤثرة في البحث العلمي في العالم، فالمؤسسة الوطنية للعلوم قادت التفوق العلمي الأميركي لأكثر من 75 سنة، وشكلت سياسات العلوم في البحث العلمي والكوادر البشرية والبنى التحتية والتمويل وجميع ما يمس المنظومة البحثية، وهي تدير نحو 9 مليارات دولار سنوياً من التمويل الفيدرالي للأبحاث، وهي تمثل ركيزة أساسية للبحث الجامعي والابتكار، ومن الناحية الاقتصادية تشير الأبحاث إلى أن كل دولار يستثمر في البحث العلمي يولد نحو 2.64 دولار من النشاط الاقتصادي، وهو ما يعكس الدور المركزي للعلم في الاقتصاد الأميركي.
إن إزالة المجلس الوطني للعلوم تعني نقل مركز القرار إلى السلطة التنفيذية، بما يفتح الباب أمام تسييس أولويات البحث، وقد حذر عدد من الخبراء من أن هذا التحول قد يحيل المؤسسة إلى أداة لتنفيذ سياسات آنية، قد تتغير كل دورة انتخابية، أو مع تغير الحزب الحاكم، بدلاً من أن تكون منصة لتحديد الاتجاهات العلمية طويلة المدى، وفي البيئة العلمية التي تتطلب استثمارات قد تمتد لعقود، فإن تقلب الأولويات قد يؤدي إلى إضعاف القدرة على الابتكار، وهو ما يعيد طرح السؤال الذي كان تقرير بوش قد أجاب عنه، وهو كيف يمكن للدولة أن تدعم العلم دون أن تهيمن عليه؟

