في واحدٍ من مقاهي بيروت، يجلس المؤرخ منذر جابر قابضاً على جمر الذاكرة. والذاكرة هذه، بالنسبة إليه، ذاكرتان: واحدة عن جغرافية المكان الذي يضيع أمام مرأى اللبنانيين والعالم، وأخرى عن سكان بلاد جنوب النهر، الذين تُسوّى الآن بيوتهم بالأرض، وتسقط معها أجزاء من ذاكرتهم الشفوية التي روتها ألسنتهم وتناقلوها من جيل إلى جيل…
في استعادة الذاكرة الشفوية، يربط جابر بين ما دُوّن من تاريخ بنت جبيل وجبل عامل علمياً (الذاكرة المكتوبة)، وبين السيرة العاملية اليومية (الذاكرة الشفوية)، من أيام تأسيس الكيان إلى الاستقلال، وصراعات البيوتات السياسية الشيعية، وصعود اليسار، مروراً بالاحتلال وسلطة الثنائي الشيعي، وصولاً إلى التغريبة الجنوبية الآن.
يفتح محدّثي تساؤلاته التأسيسية عن سبب غياب، أو تغييب، رجالات الجنوب الأقوياء في مرحلة ما بين سقوط السلطنة العثمانية وبداية الانتدابين الفرنسي والإنجليزي، وتأسيس الكيان اللبناني عام 1920.
ويشير إلى كامل بك الأسعد الكبير، الذي مثّل ولايات لبنان لمدة ست سنوات في مجلس المبعوثين، وكان ركناً سياسياً واجتماعياً أساسياً في التمثيل اللبناني الواسع قبل تشكيل الكيان وبعده، ويسأل عن سبب تغييب دوره في تلك المرحلة.
في الذاكرة السياسية، محطات شيعية فاعلة ما بين تأسيس الكيان والاستقلال. ومع تغييب الرجل القوي كامل الأسعد، تقلّص معه الحضور الفاعل لشيعة الجنوب في الكيان الأول، لكنه لم يكن غياباً شيعياً عاماً؛ إذ سجّلت الدولة حضوراً مهماً لعائلات شيعية من جبيل والبقاع، مثل آل حيدر والحسيني وحمادة وياغي، في وزارات سيادية مثل الداخلية والمالية. ويربط جابر هذا الحضور بالجغرافيا السياسية الأولى للبنان «الصغير»، حيث كانت تلك العائلات ضمن نطاق متصرفية جبل لبنان.
بالعودة إلى جبل عامل ما بعد 1920، بدأت العائلات السياسية من آل الزين وبيضون وشرارة وبزي والفضل وصادق وعسيران بفرض حضورها وتشكيل زعاماتها، وتفاعلت سياسياً واجتماعياً مع لبنان الكبير، وطوّرت حضورها في محطة أساسية 1926 و1936، فيما يمكن تسميتها انتفاضة مزارعي التبغ الأولى التي انطلقت من بنت جبيل. كما بدأت في هذه الفترة الصراعات التمثيلية ومنافسة الشخصية العاملية البارزة محمد سعيد بزي.
في الذاكرة، امتد إضراب مزارعي التبغ من جنوب النهر إلى شماله، فتضامنت النبطية مع بنت جبيل، وتوسّع التضامن حتى وصل إلى المدن الشامية، ودخلت ضمنه دمشق.
لكن اجتماعياً، في تلك اللحظة، وسّعت بنت جبيل حضورها ببروز شخصيات مؤثرة مثل علي بزي الكبير وموسى الزين شرارة، كما تعدد الوجهاء والزعماء في جبل عامل ونظّموا حضورهم، إلى أن اجتمعوا في الدار الواسعة في بلدة الطيبة عند زعيم آل الأسعد الجديد أحمد بك، نجل عبد اللطيف الأسعد.
برأي جابر، كانت هذه البيوتات السياسية الشيعية العاملية صاحبة الدور الأساسي في تشكيل الصيغة اللبنانية، وفي اندماج الشيعة في دولة لبنان، وفي تثبيت حضورهم ودورهم السياسي في الشراكة، وحتى في حماية حصة الطائفة.
فرجل الاستقلال الأول، الرئيس رياض الصلح، دخل إلى مجلس النواب اللبناني سنة 1943 على قائمة أحمد الأسعد الانتخابية، والمعروفة جنوباً بلائحة «الأربعتعش».
بالعودة إلى بنت جبيل وحاراتها وبيوتها ومساجدها وسوقها التاريخية التي تهدّمت أمام أعين أهلها، كانت «سوق الخميس» محطة تجارية تجمع القادمين من غزة وعسقلان وصفد جنوباً، ومن دمشق وحمص والبقاع وصيدا والنبطية شمالاً. هناك كان القادمون والمقيمون يتبادلون البضائع والحكايات، ويعقدون الاتفاقات وتتم الزيجات. وكانت بنت جبيل ملجأً وداعماً للثورة الفلسطينية الأولى التي قادها الشيخ عز الدين القسام ضد الانتداب الإنجليزي. حتى مسجدها التاريخي الذي هُدم منذ أيام، يطلق عليه أهل البلدة اسم «الصفدي» نسبةً إلى بنّائيه الذين قَدِموا من صفد الفلسطينية.
بناءً على هذه الذاكرة، لا يمكن اختزال علاقة الجنوبيين بفلسطين وبالدولة، أو حصرها في «الثنائي الشيعي»؛ فهذه المدن والقرى شكّلت حاضنة للثورة الفلسطينية قبل النكبة. أما في ما يخص لبنان؛ الكيان والدولة، فقد تمكن مسار علاقة الشيعة بلبنان الكبير من فرض نفسه على الصيغة اللبنانية، وكان لأهل جبل عامل، خصوصاً عائلاته السياسية والدينية، الدور الأساسي فيها، رغم أن «الثنائي» لا يعرّف هذه العائلات إلا بتهمة الإقطاع، كما ينكر دور اليسار الذي، في صراعه الثقافي والاجتماعي مع هذه العائلات، أنتج ما لم ينتجه، ولا يعرف إنتاجه أصلاً، «الثنائي»، من نص وقصيدة وثقافة وعمران وتعددية. وهذا واضح في الذاكرة الشفوية التي يرويها العامليون في هجرتهم وتهجيرهم وتغريبتهم.
فإذا كانت الجريمة الإسرائيلية واضحة في القتل والهدم والاحتلال ومحو الجنوب، فإن جريمة «الثنائي» كانت في إصراره على إغلاق البيوتات السياسية وتفريغ المجتمع وتجويف الذاكرة. فهو، في تمثيله، لم يكن قادراً على الارتقاء إلى هذا الموروث، فعمل على خفضه إلى مستواه، فمارس الاغتيال الممنهج للذاكرة الجنوبية.
بالعودة إلى منذر جابر، من ذاكرته الشفوية إلى ذاكرة المكان، إلى بيته مجهول المصير في أطراف بنت جبيل، الذي جمع حجارته من كل جهات الجنوب ولبنان، يبدو أننا، كعامليين، ملزمون مجدداً بجمع أرواحنا وذاكرتنا حتى لا تضيع مرة أخرى… وللحدث بقية.

