في بعض أرجاء إقليم شرق المتوسط، باتَ حصولُ الطفل على اللقاح لا يتوقّف على ما توصَّل إليه العلمُ فحسب، بل على إمكانية الخروج من المنزل بأمان.
وباتتِ النزاعاتُ الآن تُلقي بظلالها على الحياة اليومية لملايين الأسر في شتى أنحاء الإقليم. ففي السودان، أفضت سنواتٌ من الحرب الطاحنة إلى حرمان أعدادٍ كبيرة من الأطفال من الحماية من المرض، في خضم أكبر أزمة نزوح يشهدها العالم. وفي لبنان، اقتلعت أوامر القصف والإخلاء خُمس السكان من منازلهم ومدارسهم وعياداتهم في غضون أسابيع. وفي غزة، لم يتبقَّ من البنية التحتية الصحية إلا الأنقاض، إذ باتت المنظومات على حافة التوقف التام في خضم الدمار والانهيار الاقتصادي. وعلى طول الحدود بين أفغانستان وباكستان، يُسفِر تجدُّد أعمال العنف عن موجات نزوح جديدة تزداد وطأتها بسبب الكوارث الطبيعية. وفي اليمن والصومال، لا تزال الأزمات المزمنة تُضعِف النُّظُم الصحية الهشة.
ويتطلَّب التطعيمُ رعايةً أولية مستقرة، وسلاسل تبريد موثوقاً بها، وممراًً آمِناً للعاملين الصحيين، وأُسراً قادرة على الوصول إلى الخدمات. فيأتي النزاع ليجتاح ذلك كله.
وحتى قبل التصعيد الأخير، كانت التغطية بالخدمات في تراجُع. فانخفضت التغطية بالجرعة الأولى من لقاح الدفتيريا والتيتانوس والسعال الديكي من 89 في المائة عام 2019 إلى 85 في المائة عام 2024، في حين انخفضت التغطية باللقاحات التي تحمي من الحصبة إلى 80 في المائة، وهي نسبة أقل كثيراً من النسبة اللازمة للوقاية من الفاشيات، وهي 95 في المائة. وتشير التقديرات إلى أن 2.8 مليون طفل في الإقليم لم يتلقوا أي لقاحات على الإطلاق في عام 2024. ولم يحصل أكثر من 12 مليون طفل على لقاحات التمنيع الروتيني إطلاقاً، منذ عام 2020.
وتجتمع هذه الثغرات في مناطق النزاع، وفي الأسر النازحة، وفي المناطق النائية، وفي المجتمعات المحلية الحضرية المحرومة من الخدمات. وحين يُحرَم الأطفال من اللقاحات مراراً وتكراراً، تتَّسع فجوات التمنيع وتتوالى الفاشيات. وفي عام 2024 وحده، لم يحصل قرابة 4 ملايين شخص على أول لقاح للحصبة. ولا يزال فيروس شلل الأطفال يتربَّص في جيوب غير مُحصَّنة، ليس بسبب الافتقار إلى الأدوات، بل لعجزها عن الوصول بانتظام إلى كل طفل.
والنتيجة المتوقعة، التي يمكن تفاديها، هي تجدُّد فاشيات تُثقِل كاهل المنظومات الصحية المُنهَكة أصلاً، وتحصد أرواح الأطفال.
ولا بدَّ أن يكون وصول المساعدات الإنسانية آمناً ومستداماً ومضموناً. ولا بدَّ أن تتدفَّق الإمدادات الطبية دون عوائق. ولا بدَّ أن يتمكَّن العاملون الصحيون من الوصول إلى المجتمعات بحُرية تامة. ويجب تقديم الخدمات إلى الأسر النازحة، أينما كانت. فلا يمكن أن يعتمد التمنيع على فرص عابرة ومتفرقة، بل يتطلَّب الاستمرارية، حتى في خضم الفوضى.
وانتظار تحقُّق الاستقرار ليس خياراً واقعياًً. فالاستقرار قد لا يلوح في الأفق قريباً في كثير من أنحاء الإقليم، ولا يستطيع الأطفال الانتظار. فيجب حماية عمليات التمنيع في أثناء الأزمات، لا أن تُؤجَّل. فالتأخير يُفضي إلى فجوات مناعية أصعب وأعلى تكلفة، وهو ما يفتح الباب أمام عودة أمراض كان بالإمكان الوقاية منها.
ولكن، حتى في ظلّ هذه الظروف القاسية، لا يزال لدينا بصيصٌ من الأمل بفضل شجاعة العاملين الصحيين في الصفوف الأمامية. الذين يخاطرون بأرواحهم، ويُنفِّذون حملات تدارُكيَّة أسهمت في الوصول إلى ملايين الأطفال، وباتت تُرمِّم ما خلَّفته الأزمات من ثغرات مناعية خطيرة. ولا بد من مواصلة هذه الجهود وتوسيع نطاقها.
وفي منتصف خطة التمنيع لعام 2030، تعهدت البلدان بخفض عدد الأطفال الذين لم يتلقوا أي جرعات إلى النصف بحلول عام 2030. ولن يكون بلوغ ذلك الهدف في هذا الإقليم ممكناً إلا إذا اعتُبر التمنيع خدمةً أساسيةً لا تتوقف في أي أزمة، مدعومةً بإرادة سياسية راسخة، وتمويل مضمون، ومنظومات فعالة لتقديم الخدمات، وثقة مجتمعية.
إنَّنا أقرب من أي وقت مضى إلى القضاء على سريان شلل الأطفال. ولكن الفيروس سيظلّ يجد طريقه إلى الأطفال ما دام الوصول إليهم مُتعذراً.
فبرامج التَّمنيع القويَّة لا تقتصر على منع حدوث إصابات فردية، بل تعمل على تعزيز صمود النُّظُم الصحية، وتحصين السكان من الصدمات المستقبلية، وصون عافيتنا الجماعية.
وقد أثبتت اللقاحات فاعليتها وأنقذت ملايين الأرواح، ولكنها لن تؤتي ثمارها إلا حين تصل إلى جميع الأطفال.
* مديرة منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط

