الرئيس الأميركي دونالد ترمب غاضب جداً من حلفائه في «الناتو»، الذين لم يقدموا الدعم المطلوب لخطته لفتح مضيق هرمز بالقوة كما كان يأمل. الأوروبيون أعضاء الناتو الكبار يرون الأمر من زاوية أخرى، فالحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران لم تكن مجالاً لمشاورات مسبقة، وفقاً لمبادئ الناتو نفسه، يترتب عليها قدر من المشاركة في العمليات العسكرية. الزاويتان تعكسان مساحة خلاف حول توظيف الناتو في الحروب.
تحديد نوعية الحرب ومصدر التهديد يعد نقطة مركزية في عمل التحالفات العسكرية، سواء بين دولتين، أو بين أكثر من بلد يعتمدون فيما بينهم مبدأ الدفاع الجماعي، وهو أساس التحالف الأطلسي منذ نشأته في أبريل (نيسان) 1949، الذي تعدّه دول رئيسة في الناتو، أبرزها فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا، شرطاً لم يتوافر في العمليات الحربية الأميركية ضد إيران.
الرئيس ترمب، بدوره، لديه مبررات قوية لإعادة النظر في الناتو باعتباره «نمراً من ورق» وفقاً لقوله، لم يقدم لبلاده الدعم المناسب، على الرغم من أنها تتحمل أكثر من 70 في المائة من تكاليف عمل الحلف. التفكير في خطوات عقابية ضد بعض أعضاء الحلف، أو ربما اتخاذ خطوات عملية للانسحاب من الحلف تكشف عن مفارقة كبرى في السياسة الأميركية نفسها. فإذا كانت بلاده تعد العمود الأساسي للناتو، وهي الأقوى عسكرياً مقارنة بباقي دول العالم، وهي الأكثر ردعاً لروسيا في حال فكرت تهديد أي من دول الحلف الأوروبيين، فماذا تنتظر من أعضاء أقل قدرات عسكرية وأقل إنفاقاً في الحلف، وأقل فاعلية في الدفاع عن أنفسهم كما يؤكد الرئيس ترمب نفسه؟ وهذا يدفع واشنطن إلى التخفف من أعباء القيادة العالمية، وترك الحلفاء الأوروبيين يبحثون عن أمنهم الذاتي، والتركيز على تحصيل المنافع المباشرة للخزانة الأميركية، ما يدفع كثيرين للاتجاه نحو مسارات ذات طابع استقلالي، وإن بدرجات متنوعة.
الأوروبيون أعضاء الناتو هم أكثر قلقاً بخصوص تلميحات الرئيس ترمب بفرض عقوبات على بعض الأعضاء، كإعادة توزيع القوات الأميركية في أوروبا، وهم أكثر قلقاً إذا ما تحولت تهديدات الانسحاب إلى خطوات عملية، رغم علم الجميع أن الانسحاب ليس أمراً قابلاً للتحقق الفوري، لا سيما أن الكونغرس الأميركي أقر سابقاً تشريعات تحول دون اتخاذ البيت الأبيض قرارَ الانسحاب من الناتو إلا بالرجوع إلى الكونغرس، وصدور قرار تشريعي خاص بالانسحاب مع تحديد المبررات ومدى علاقتها بالأمن القومي الأميركي.
العوائق القانونية التي تحول دون الانسحاب الأميركي من الناتو لا تحول دون اتخاذ الرئيس قرارات محددة تنطوي على عقوبات على «المتقاعسين» في دعم أميركا. وهنا تبدو أوروبا مُدركة لمخاطر التقليل من شأن الحلف ووزنه في كل ما يتعلق بأمنها. الاستقلالية الدفاعية الأوروبية، ولو تدريجياً، تطرحها فرنسا كبديل عملي يخفف من وطأة تحولات الموقف الأميركي تجاه الناتو. وهي دعوة تكررت كثيراً في السابق لكنَّها لم تحظَ بقبول أوروبي. الآن هناك تفكير ومواقف أوروبية يدلان على أن نهجاً جديداً يجب تطبيقه، لكن دون التخلي التام عن الناتو.
الاستقلالية الأوروبية تتجسد في قطاعات عسكرية وتكنولوجية واقتصادية ومالية عدة، لتشكل استراتيجية استباقية لاحتواء التقلبات الأميركية الراهنة أو المحتملة، خاصة بعد سحب بعض الدول الأوروبية بعض الذهب من الاحتياطي الأميركي.
قانون الشراء الأوروبي الموحد، الذي يعتمد أفضلية شراء المنتجات الأوروبية بدلاً من المنتجات الأميركية، يصب في عملية استقلالية تخفف من وطأة الاعتماد على الشريك الأميركي. الاتجاه نحو اعتماد منصات أوروبية المنشأ في التعاملات المالية اليومية وفي الرحلات بدلاً من المنصات الأميركية الشهيرة، يضع فوارق رئيسية في التبادلات الاقتصادية بين ضفتي الأطلسي.
ثمة قرار تنفيذي فرنسي بمنع استخدام دوائر الحكومة لمنتجات «مايكروسوفت» الأميركية، واعتماد منتجات فرنسية المنشأ أو أوروبية تحقق أكبر حماية ممكنة للمعلومات الأوروبية، بعيداً عن سوء استخدامها من قبل المنصات الأميركية. هولندا وألمانيا تفكران في السياق ذاته، ودعوات في إيطاليا للسير في الاتجاه ذاته. مواقف تشير إلى انقلاب في مفهوم التحالف، ومزيد من الاعتماد على الذات.
الاستقلالية عن أميركا في القطاعات الحيوية لم تعد محصورة في القارة العجوز، رئيس وزراء كندا طرح الأمر بوضوح شديد، سوف تبني كندا نفسها اعتماداً على قدراتها الذاتية في الصلب والأخشاب والألمنيوم والعمالة الكندية؛ إذ أصبح صرف 70 في المائة من كل دولار في السوق الأميركية أمراً من الماضي، حسب قوله. الشراكة مع الصين وفق قاعدة المصالح المتوازنة والمتبادلة والمقننة، باتت سياسة للعديد من الدول الأوروبية وكندا، وليست مجرد شعار.
أبعاد متعددة وخطوات تليها خطوات، الناتو لم يعد معنوياً كما كان لأوروبا وكندا، نهج الاعتماد على الذات يكتسب زخماً قوياً ينبئ عن تغيرات مهمة في النظام العالمي، ويستحق منا قدراً أكبر من المتابعة والتفكر العميق. هذه هي الصورة بين الناتو وأميركا، لكن هل تستطيع أوروبا الاستغناء فعلاً عن المظلة الأميركية، أم أنَّ الأمر مجرد سحابة صيف؟

