– العقيدة المصرية نراها ماثلة أمام العالم فى الموقف من لبنان والسودان وليبيا وسوريا والعراق واليمن
– القاهرة نجحت فى منع تهجير الفلسطينيين من أراضيهم ولا تزال تصر على هذا الموقف الشجاع
– بات الجميع فى انتظار كارثة كبرى لكن هناك من كان يرى بعين البصيرة
– عواصم العالم كانت تترقب.. تنتظر.. تضطرب خوفا من مستقبل مظلم
فى الأمتار الأخيرة، التقط العالم أنفاسه، ضبط العالم ساعاته على توقيت الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، تقريبا كانت جميع شعوب الأرض مستيقظة، تنتظر كلمات يقولها زعيم أكبر دولة فى العالم، كلمات إما أن تنزلق بالخرائط إلى الهاوية، وإما أن تنقذ البشرية من مصير أخطر من المصير الذى واجهته عشية الحرب العالمية الثانية عام 1945، وعشية قصف أمريكا لليابان بالسلاح النووى.
عواصم العالم كانت تترقب، تنتظر، تضطرب خوفا من مستقبل مظلم، خصوصا أن الرئيس الأمريكى، قال إنه سيحذف بلدا عالميا من الخريطة، وهذا التهديد يحمل أخطارا على الكرة الأرضية، فقد تأتى قوة عسكرية عظمى أخرى، وتفعل نفس الشىء تجاه بلد آخر، ومنع هذا التهديد يعنى تأكيد مفهوم السلام العالمى، والقانون والشرعية الدولية، وصيانة سيادة الدول، ومنع الاعتداء عليها، طبقا لمواثيق الأمم المتحدة.
نجحت الدبلوماسية المكوكية، والخلاقة والمبدعة، فى تجاوز أصعب العقبات التى تمر بمشكلة خطيرة، بين أطراف يتخذون من العداء منطلقا صفريا.
منذ الثامن والعشرين من فبراير 2026، تغير العالم، وحملت تصريحات المتحاربين «أمريكا وإسرائيل وإيران»، لغة تصفوية، فكل طرف يريد هزيمة الآخر هزيمة ساحقة، وكانت اللغة المستخدمة تتلاعب بمشاعر وقلوب العالم، حتى بات الجميع فى انتظار كارثة كبرى، لكن هناك من كان يرى بعين البصيرة، ويدرك أن الحرب مهما اشتدت، لابد لها من نهاية، ولا يمكن أن تحل محل السياسة بالكامل، فالحرب مجرد أداة من أدواتها.
منذ اللحظة الأولى لاندلاع هذا الصراع العبثى، حذرت مصر من مفاهيم وفلسفة اتساع الحروب، وهو موقف أصيل اتخذته طوال المراحل السابقة منذ الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بعد السابع من أكتوبر 2023، ووضعت رؤية شاملة ترفض مفاهيم دعاة الحرب، والتوسع، والاعتداء على سيادة الدول، فلم يكن الأمر مفاجئا لها فى الحرب التى نشبت بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أن تتخذ مصر نفس الموقف الداعم للأشقاء والمنطقة، وقد طالت أجزاء عزيزة من الأمن القومى العربى، وذلك بالاعتداء الإيرانى المرفوض على دول الخليج الشقيقة، بما يحمله هذا الاعتداء من مساس بكل دول الإقليم العربى، لذا كان البيان المصرى الصارم والقاطع، برفض الاعتداء الإيرانى على الأشقاء فى الخليج، وفى ذات الوقت رفض مبدأ خلط الأوراق، الذى قامت به إسرائيل، واتخذت من المنطقة رهينة لمفهوم الحرب بهدف توسيع مساحتها الجغرافية، على حساب الشعوب العربية.
الحقيقة أننى أعود بالذاكرة، خلال الأعوام الطويلة الماضية، لأتوقف أمام الرؤية المصرية الإستراتيجية التى كانت – ولا تزال – تنظر إلى دعاة الحرب بوصفهم مغامرين ليس ضد استقرار الإقليم فحسب، إنما ضد استقرار العالم نفسه.
وبرغم أن الأحداث كانت متلاحقة وساخنة، وأحيانا تصل إلى حد الهاوية، فإن القاهرة، اتخذت موقفا شجاعا يقوم على دبلوماسية الصبر الإستراتيجى، وأنها ترى فى الحرب آخر الوسائل التى يمكن اللجوء إليها، وهذا يتسق مع المفهوم الإنسانى العام، ومع الأفكار الكبرى، فقد جربت الحرب والسلام، وكانت صادقة فى الحالين دون تفريط، أو إفراط، وامتلكت الرؤية الصحيحة فى النظر إلى الأمور، وكانت أمورا سيالة تتأرجح ما بين العنف والحرب، واستخدام أدوات عسكرية لا تتناسب مع واقع الحال، كما جرى فى قطاع غزة.
وحين شنت إسرائيل حربا شاملة على قطاع لا يمثل سوى 365 كيلو مترا مربعا، يعيش فيه نحو 2,5 مليون نسمة، ومن قطاع غزة انطلقت الشرارة لتتوسع الحرب، وهو أمر حذرت منه مصر، حتى قبل أن تتوسع، ووضعت الحقيقة أمام جميع الأطراف، كانت تصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسى، واضحة منذ اليوم الأول، فى التحذير من اتساع رقعة الحرب، وأن الحرب لن تؤثر على الإقليم وحده، بل تؤثر على العالم، وكان لقاؤه بوزير الخارجية الأمريكى، أنتونى بلينكن، فى عهد الرئيس الأمريكى، جو بايدن، أبرز رسالة مصرية إلى العالم، فقد جاء الحوار على الهواء مباشرة، وضع فيه الرئيس السيسى النقاط فوق الحروف، بأن الدولة الفلسطينية المستقلة، هى المركز المهم للسلام فى الشرق الأوسط، وهى القضية الأحق بتقرير المصير، وإذا حدث ذلك، فإن الذرائع جميعا سوف تنتهى.
هذا هو الموقف المصرى الذى تكرر دائما مع قادة وزعماء العالم، وقد جاءوا إلى القاهرة، أو ذهبت إليهم بخطابها الواضح، وهو خطاب السلام للجميع، وعدم الاعتداء على سيادة الدول الوطنية، ومنع المغامرات الحربية التى يمكن أن ترى فيها بعض الأطراف تحقيقا لمآربها وأهدافها على حساب المنطقة العربية.
وفى نهاية المطاف حين قدم الرئيس الأمريكى، نقاطه العشرين لوقف الحرب الإسرائيلية، على قطاع غزة، بعد عامين ونصف العام، كانت بصمات الدبلوماسية المصرية واضحة على تلك المبادرة، وقد انتهت الحرب فعليا من شرم الشيخ، حين التقى الرئيس السيسى، والرئيس ترامب، منتصف أكتوبر 2025، لنبدأ مرحلة جديدة، وإن كانت لا تزال عالقة فى المرحلة الثانية.
فى نهاية المطاف، وقفت الحرب فى غزة، ونجحت القاهرة فى منع تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، ولا تزال تصر على هذا الموقف الشجاع، فى وقت كان يتخلى فيه الجميع، ولعلى أذكر أن ثمانين فى المائة من المساعدات التى ذهبت إلى الأشقاء فى غزة، قدمتها الدولة المصرية، وبرغم أن الإقليم اشتعل فجأة فى حرب إقليمية واسعة، بعد الهجوم الأمريكى – الإسرائيلى، المزدوج على إيران، فإن القاهرة ظلت تتمسك بحل قضية فلسطين، وعدم نسيانها وسط الأحداث، وفى هذا السياق استقبلت عددا من الفصائل الفلسطينية للمضى قدما، نحو استكمال المرحلة الثانية من مبادرة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.
إن ما سبق أثناء حالة الحرب على غزة، هو طريق واضح، تأكد أيضا فى الإسراع المصرى لإيقاف الحرب الدائرة، فى الشرق الأوسط، فقد سعت القاهرة نحو الاتصال بجميع الأطراف دون تردد، واتخذت موقفها الإستراتيجــى، وثوابتهـــا التاريخيــــة، التى تؤكد قوتهـا ودورهــا كنواة صلبة للإقليم، تدرك أن مخاطر الحروب، أصعب من إقامة السلام، فبرغم أن طريق السلام صعب وطويل، ويحتاج إلى مجهود شاق، فإن فى نهايته استقرارا لجميع الشعوب، وبرغم تصورات بعض الأطراف التى تريد النصر التام على الخصوم، وبرغم الاستقطاب الحاد، فإن القاهرة ظلت صامتة وثابتة على موقفها، ليس فى هذه الحرب الحالية فقط، أو فى الحرب السابقة على غزة، إنما هى العقيدة المصرية، نراها ماثلة أمام العالم فى الموقف من لبنان والسودان، وليبيا، وسوريا والعراق واليمن، وباقى دول الأشقاء العرب.
قلت إنه منذ اليوم الأول لاندلاع هذه الحرب الإقليمية، تحركت القاهرة لإيقاف كارثة، قد تطال كل دول العالم، وقوانينه، وشرعيته، ومؤسساته، ناهيك عن المساس بالأشقاء، وبالأمن القومى العربى، فأصدرت البيان وراء البيان لمنع نشوب حريق كبير، قد يأكل الأخضر واليابس، وبرغم المشاعر الملتهبة من هذا الطرف، أو ذاك، فإن القاهرة راحت تمضى إلى رؤيتها، دون أن تلتفت أى اتجاه، فكانت الاتصالات الدبلوماسية، ليل نهار مع كل الأطراف المتحاربة، دون استثناء، ولذا رأى الجميع أنها القادرة على صياغة خريطة طريق، لإيقاف حرب شبه عالمية.
ذهب الرئيس السيسى، فى زيارات مهمة إلى الأشقاء فى الخليج فى قلب الحرب، واتصل بكل زعماء وقادة العالم، لإطفاء هذا الحريق الهائل، وتوجت القاهرة رؤيتها بالاجتماع، الذى عقد بالعاصمة الباكستانية إسلام آباد، ضم وزراء خارجية مصر، والسعودية، وباكستان وتركيا، وهو الاجتماع الذى وضع الخطوط العريضة، لهدنة الخمسة عشر يوما، التى توافق عليها الجانب الأمريكى، والجانب الإيرانى، وأنقذت العالم من الجحيم، الذى كان يهدد به الرئيس الأمريكى. إن جريان الأحداث على صعوبتها، يؤكد أن الموقف المصرى يتسم بالشجاعة، والحكمة، وقوة الإرادة، والتقدير الإستراتيجى الصحيح، الذى يتفق تماما مع مصالح الأشقاء فى الخليج، أو فى المنطقة العربية بالكامل، أو فى الشرق الأوسط والعالم، فمصر تتخذ من السلام الحقيقى المبتدأ والمنتهى.

