بقلم ساري البدر – إنانا ميديا الدولية
في عرضه الأخير ضمن فعاليات الدورة السادسة والثلاثين من أيام قرطاج السينمائية 2025، يقدّم فيلم «كولونيا» للمخرج المصري محمد صيام تجربة سينمائية مكثّفة، تتجاوز الحكاية العائلية التقليدية لتغوص في منطقة رمادية من الذاكرة، حيث لا يعود الصراع بين الأب والابن مجرّد مواجهة شخصية، بل اختبارًا أخلاقيًا لأسئلة مؤجلة عن الذنب، والصمت، والقدرة على الغفران.
لا يتعامل صيام مع الزمن بوصفه خطًا مستقيمًا، بل كعبء ثقيل يتراكم داخل الشخصيات. يبدأ الفيلم من نهايته: موت الأب، ثم يعود بنا إلى الليلة التي سبقته، وكأن السرد نفسه يعترف منذ اللحظة الأولى بأن النهاية حتمية، وأن ما يهم ليس ما سيحدث، بل كيف نصل إليه. هذا الاختيار البنائي يحوّل المشاهدة إلى عملية تفكيك نفسي، حيث تُستدعى الذكريات لا لاسترجاعها، بل لمحاكمتها.
ليلة واحدة… ومساحة خانقة
تدور أحداث الفيلم في شقة مغلقة، تتحول تدريجيًا إلى ما يشبه غرفة اعتراف قسرية. الأب العائد من المستشفى مثقل بالمرض والأسرار، والابن الغارق في الغضب والإدمان، يجدان نفسيهما مجبرين على البقاء معًا. الحوار لا يتدفق بسلاسة، بل يتكسّر، يتوقف، ويعود محمّلًا بالاتهام والخذلان. هنا لا يبحث الفيلم عن مصالحة مريحة، بل عن لحظة صدق—even لو كانت مؤلمة.

الرائحة كذاكرة لا تُمحى
العنوان «كولونيا» ليس تفصيلاً شكليًا، بل مفتاحًا دلاليًا للفيلم. الرائحة في هذا العمل ليست حنينًا، بل أثرًا عنيدًا لما لا يمكن التخلص منه. إنها ذاكرة جسدية، تفضح ما حاول الزمن إخفاءه. هكذا تتحول الكولونيا إلى استعارة عن الأب نفسه، وعن ماضٍ يظل عالقًا مهما تغيّرت الوجوه.
لغة بصرية مقتصدة
يختار محمد صيام أسلوبًا بصريًا متقشفًا، بألوان باهتة وإضاءة محدودة، كأن الصورة تشارك الشخصيات إنهاكها. الكاميرا غالبًا ثابتة، قريبة، تحاصر الأجساد داخل كادرات ضيقة، بينما يلعب الصمت دورًا دراميًا أساسيًا، أبلغ أحيانًا من الحوار. الموسيقى نادرة، وعندما تحضر—خصوصًا عبر أغنيات قديمة—تأتي كصدى لجيل يتشبث بما تبقى من معنى.
أداء قائم على التفاصيل
يشكّل اللقاء بين أحمد مالك وكامل الباشا العمود الفقري للفيلم. مالك يقدّم شخصية الابن بشحنة داخلية متفجرة، تتأرجح بين العجز والرغبة في المواجهة، بينما يحمل الباشا ثقل رجل أنهكه الصمت أكثر مما أنهكه المرض. الأداء هنا لا يعتمد على الانفعال المباشر، بل على النظرات، التردد، والانكسار المؤجل.

فيلم بلا إجابات جاهزة
لا يمنح «كولونيا» خلاصًا واضحًا، ولا يقدّم تصالحًا نهائيًا. يترك المشاهد عند حافة الاعتراف، حيث تختلط الرغبة في البكاء بالصمت. إنه فيلم عن تلك اللحظات التي نكتشف فيها أن مواجهة الماضي لا تعني بالضرورة تجاوزه، بل الاعتراف بثقله.
في حضوره ضمن أيام قرطاج السينمائية، يثبت «كولونيا» أنه عمل لا يكتفي بطرح أسئلة عائلية، بل يلامس بنية أوسع من العلاقات الإنسانية في مجتمعات تخشى الكلام، وتؤجل المواجهة حتى اللحظة الأخيرة. فيلم غير مريح، لكنه صادق… تمامًا كرائحة قديمة لا تزول مهما طال الزمن

