قراءة في فيلم «إركالا – حلم كلكامش» لمحمد الدراجي
أيام قرطاج السينمائية – الدورة 36
بقلم ساري البدر – إنانا ميديا الدولية
في فيلمه الجديد «إركالا – حلم كلكامش»، لا يقدّم المخرج العراقي محمد الدراجي حكاية عن طفل مشرّد فحسب، بل يبني كونًا سينمائيًا تتقاطع فيه الأسطورة مع الواقع، والذاكرة الجماعية مع جراح الحاضر، في واحدة من أكثر محاولاته طموحًا وجرأة منذ «ابن بابل»
عُرض الفيلم مساء أمس ضمن فعاليات أيام قرطاج السينمائية في دورتها السادسة والثلاثين، حيث بدا واضحًا أن الدراجي لا يسعى إلى استدرار التعاطف، بقدر ما يطرح سؤالًا قاسيًا ومفتوحًا:
كيف يمكن لطفولةٍ نشأت وسط العنف والفقد أن تواصل الحلم؟
بغداد… مدينة واقعية تتسلل منها الأسطورة
تدور أحداث الفيلم في شوارع بغداد المتعبة، حيث نتابع الطفل «چم چم»، المصاب بالسكري، وهو يتنقّل بين الأزقة، حاملاً جسده الهش وخياله المتخم بصور الأسطورة السومرية. هنا لا تُستخدم ملحمة جلجامش بوصفها زخرفة ثقافية أو إحالة تراثية مجانية، بل كأداة نجاة نفسية، وكمخزن رمزي يمنح الطفل لغة بديلة لفهم الفقد والموت والغياب.
إركالا، العالم السفلي في الميثولوجيا السومرية، تتحول في الفيلم من فضاء أسطوري إلى حلم طفولي بالخلاص، مكان يتخيّله «چم چم» بوصفه بابًا للقاء الأحبة الراحلين، أو مخرجًا أخيرًا من واقع لا يملك أدوات تغييره.

واقعية شعرية بلا خطاب مباشر
يعتمد الدراجي أسلوب الواقعية الشعرية، حيث تتداخل مشاهد الاحتجاجات، الأطفال المشردين، والعنف اليومي، مع لحظات حلمية تتسلل فيها الكائنات الأسطورية والرموز الحضارية. الكاميرا المحمولة تمنح الصورة خشونتها وصدقها، فيما تضيف اللقطات الجوية بعدًا تأمليًا يجعل المدينة كائنًا حيًا يراقب أبناءه وهم ينجون أو يسقطون.
لكن قوة الفيلم لا تكمن فقط في هذا المزج البصري، بل في امتناعه الواعي عن الوعظ. «إركالا» لا يشرح، لا يبرّر، ولا يقترح حلولًا جاهزة، بل يترك المتفرّج في منطقة أخلاقية رمادية، حيث لا براءة كاملة ولا إدانة سهلة.
الطفل بوصفه حامل الحكمة
يقدّم الفيلم الطفل لا كضحية نمطية، بل ككائن معقّد يحمل حدسًا يتجاوز عمره. أداء الطفل يوسف هشام الذهبي (چم چم) يأتي طبيعيًا، خاليًا من الاستعراض أو الابتذال العاطفي، فيما تشكّل علاقته مع شخصية «مودي» (حسين رعد زوير) ثنائية مأساوية تعكس انقسام الطفولة العراقية بين من يتمسّك بالحلم، ومن ينجرف إلى العنف بوصفه الطريق الوحيد للبقاء.
هذا التوتر بين الخيال والواقع، بين البراءة والقسوة، يمنح الفيلم بعده الإنساني العميق، ويحوّل الطفل إلى مرآة لمدينة كاملة.
مشروع سينمائي عن الذاكرة والمستقبل
يُحسب للدراجي أنه لا يصوّر الحرب بوصفها حدثًا عابرًا، بل كأثر ممتدّ، تشوّه يتسرّب إلى الأجساد الصغيرة، إلى اللغة، وإلى الخيال نفسه. «إركالا» فيلم عن المستقبل بقدر ما هو عن الماضي، عن جيل يرث الأسطورة لا كحكاية مجيدة، بل كحِمل ثقيل يبحث عن معنى جديد.
الأسطورة هنا لا تهرب من الواقع، بل تعود إليه محمّلة بأسئلة وجودية حول الخلاص، والذاكرة، وإمكانية النجاة.

سينما مقاومة بالصورة لا بالشعار
في عرضه بقرطاج، بدا الفيلم منسجمًا مع روح المهرجان التي لطالما احتفت بسينما المؤلف والرهان الجمالي الجريء. «إركالا – حلم كلكامش» ليس عملًا سهلًا أو مريحًا، لكنه فيلم ضروري، يؤكد أن السينما العراقية، رغم هشاشة بنيتها الإنتاجية، ما تزال قادرة على تقديم أعمال تحفر عميقًا في سؤال الهوية والإنسان.
هو فيلم عن أطفال لا يملكون رفاهية البراءة، لكنهم يملكون، رغم كل شيء، شجاعة الحلم.
حين يصبح الحلم فعل مقاومة
في «إركالا – حلم كلكامش»، لا يُقدَّم الخيال بوصفه هروبًا من الواقع، بل كفعل مقاومة أخير في مواجهة عالم يخذل أطفاله باكرًا. السينما هنا لا تنقذ شخصياتها، لكنها تمنحها حق الوجود، وحق أن تُرى وتُسمَع خارج لغة الأرقام والخسارات.
بهذا المعنى، يقدّم محمد الدراجي فيلمًا لا يكتفي بتشريح الألم، بل يراهن على الصورة كمساحة أخلاقية لاستعادة الإنسان، وعلى السينما كذاكرة بديلة لطفولةٍ حُرمت من الحلم… لكنها ما زالت تصرّ عليه.

