السياسة فى إسرائيل دراما مُتكررة؛ كأنها دائرة مُغلقة، ومحور دورانها «الخيانة» بشكل من الأشكال؛ أكانت حقيقية أم مزعومة، وللصعود أم لاتّقاء الهبوط.
عُدَّت الهزيمة أمام مصر فى أكتوبر 1973 مُبرّرًا كافيًا لإزاحة الآباء المؤسِّسين جانبًا.
برز اليمين على حساب اليسار؛ ليُبرم اتفاقية سلام مثّلت إقرارًا بانتكاسة المشروع، وأول ارتداد انكماشى فى سيرة الدولة الوليدة.
مرارة الحلق مرّرت خيانة زعيم الليكود وقتها مناحم بيجين؛ لكنها لم تُمرِّر خطوة أقل قسوة وأثرًا مع «رابين» فى أوسلو، بعدها بأقل من خمس عشرة سنة.
اعتُمدت التُهمة، وقُتِل الرجل فى قلب تل أبيب؛ ليسبح نتنياهو فى دمه نحو السلطة. انتكس لعشر سنوات، مرّتين لصالح اليسار مُمثلا فى باراك وأولمرت، وبينهما منافسه الأبرز داخل حزبه آنذاك آرئيل شارون.
إنما كانت العودة تحت اللافتة نفسها؛ فمن انتكاسة الحرب مع حزب الله فى يوليو 2006؛ أخذت الخيانة فى تلك المرة صورة المُهادنة، رغم التوحش الذى حمل، للمفارقة، بصمة مُنافسه اليوم.
كان آيزنكوت رئيسا للأركان قبل عقدين، وابتكر «عقيدة الضاحية» فى تعامله مع الميليشيا اللبنانية، ومعقلها جنوبىّ العاصمة بيروت.
وتستند نظيرته إلى: التدمير غير المُتناسب، والترويع بغَرض كَىّ الوعى، مع رفع الكُلفة؛ بما يُكبّد العدوّ خسارة مادية ومعنوية مُضاعَفة، ويردعه عن مُجرّد التفكير فى تكرار المُغامرة.
على جسر الوَصم عبر الرجل إلى السلطة، ومنه يوشك أن يتردّى الآن.
تُهمته الأبرز تعود إلى «طوفان السنوار»، ثم التستّر على الانكشاف والتقصير، والأضرار التى طالت صورة الدولة العبرية بأثر الإبادة المُرتكبة ضد المدنيين فى غزة.
ولا يُنسَى له اتفاق الائتلاف مع الحريديين والأحزاب التوراتية، وما تسبب فيه من أخطاء سياسية وثغرات أمنية، تحت عناوين الإصلاح القضائى والإعفاء من التجنيد وغيرهما من مسائل إشكالية.
لم يخن العجوز الماكر سابق تعهّداته؛ فقد حافظ على موقفه من «حل الدولتين»؛ باستثناء فترة رمادية ضئيلة مع أوباما. وقاد بيئته من الاعتدال، أو التنوّع بالأحرى، إلى الاصطباغ بلونٍ شديد اليمينية والتطرّف.
غير أنه لم يتوقف فى الوقت نفسه عن خيانة الجميع داخل الدائرة، واللعب بهم معًا. أبعد التوراتيين وقرّبهم، ووعد وأخلف، واستدعى جانتس إلى حكومة وحدة فى أول الحرب، ثم حرقه سياسيا وانتخابيًّا.
غدر بوزير دفاعه جالانت، وطابور من قادة الأجهزة. برأ نفسه ونسب الخلل لكل شخصٍ سواه. رهن البلد على طاولة الفرد، وأدار الحروب لحسابات شخصية خالصة.
وما يزال يُحاول البقاء على حساب كل شىء، وأيًّا كانت الاحتمالات وتداعياتها الثقيلة؛ حتى إن اضطُرّ إلى اختراع حربٍ جديدة، والزج بالمنطقة كلها فى أتون محرقة لا غرض لها إلا إضاءة عُتمته السوداء.
ويُعوّل على أنه هامش أخير لحليفه الأمريكى المأزوم. إذ بإمكانه أن يُشاركه المعركة الآن، وأن ينوب عنه فيها أو يُبرّرها له لاحقا، عندما يتسلّم الديمقراطيون زمام الكونجرس فعليًّا فى يناير المُقبل.
لم يخسر أسوأ رؤساء الحكومات الصهيونية؛ إنما لم يكسب أيضًا. حزبه الأكبر كما كان، وائتلافه تراجع بهامش بعيدٍ، والتوازُنات تمنح مُنافسه الأبرز هامشًا عريضًا؛ غير أنها تطوّقه بحسابات صعبة أيضًا.
اختار الائتلاف المُناوئ شعار «التغيير»، ويحمل أكبر أحزابه اسم «يشار»/ أى مستقيم. ما يجعل إنهاء الوضع القائم مع الحفاظ على الاستقامة شرطين أساسيِّين للوفاء بالتزاماتهم أمام الناخبين.
وكان التعهُّد على ثلاثة أمور: إطاحة حكومة نتنياهو، من دون تحالف مع العرب، وعلى أن يكون الائتلاف لمَن يخدمون فى الجيش/ أى بلا تسليم للحريديين فى مسألة الإعفاء من التجنيد.
والحال؛ أنه يفتقد لثلاثة عشر مقعدًا على الأقل دون الأغلبية المطلوبة، تتوافر لدى حزبين أُصوليَّين فى تحالف نتنياهو، أو من قائمتى العرب، مع بقاء خيار «حكومة وحدة وطنية» على الطاولة.
والأخيرة مطلَب لدى البيت الأبيض، ويبدو أن رئيس إسرائيل يميل فى الاتجاه ذاته. أوّلاً لإرضاء ترامب بعدما أغضبه فى مسألة العفو عن فساد رئيس الحكومة؛ ثم لضمان استقرار الأوضاع فى آخر ولايته الرئاسية، وتجنّب إعادة الاستحقاق مرّة ثانية، والأهم أن يردّ الجميل لزعيم الليكود.
والمفارقة؛ أن إسحاق هيرتسوج يقضى فى مستقبل مُنافسه قبل أحد عشر عاما. عندما تزعّم القطب اليسارى تحالف المُعارضة إزاء الأغلبية اليمينية فى انتخابات 2015؛ غير أن غريمه منحه الرئاسة لاحقًا، ويُطوّق عُنقه بدَين ربما حان أوان ردّه اليوم.
وقد تردّد أن التسوية المطروحة، تقترح حكومة وحدة يقودها «بيبى» لثمانية عشر شهرًا؛ ثم يحل بدلاً من الرئيس إذ تنتهى ولايته، تاركًا موقعه لشريكه آيزنكوت على رأس الائتلاف الموسّع.
على أن الفكرة تنطوى على خيانة لأحد الثوابت الثلاثة لدى ائتلاف التغيير، والالتفات عنها يقود إلى خيانة بديلة؛ فالطريق إلى الأغلبية وانتزاع الحُكم من غريمهم اللدود محفوف بالخيانات.
ولن يتحدّد الموقف النهائى، قبل حسم الصراع على الأولويات، والاتفاق الجماعى على التناقضات الأساسية والثانوية، وأى الأحزاب المُشاركة سيُقدّم تنازُلاً، أو يقبل المواءمة مؤقتًا.
يحوز ليبرمان سبعة مقاعد، ويرفض تمامًا الاستعانة بالعرب أو الالتقاء مع الليكود. وإذ يعجز عن تعطيل خيار الحكومة الائتلافية، فإنه قادر على إفساد خيار حكومة الأقلية بشبكة أمان من القائمتين العربيتين، المشتركة والمُوحّدة.
حزبا الحريديين من ائتلاف الليكود معهما ثلاثة عشر مقعدًا؛ لكنهما يطلبان الإعفاء من التجنيد، ويُفتَرَض أنه موقف مرفوض من بقايا اليسار، الجنرال يائير جولان وحزب الديمقراطيين بمقاعده الثمانية، ومن آيزنكوت نفسه الذى فقد ابنه وابن شقيقه وابن أخت زوجته!
لا تغيير من دون الحنث بوعد من اثنين: العرب والخدمة العسكرية. ولا «يشار»/ استقامة؛ إلا بإزاحة نتنياهو، دون مُمارسة الفرز والتجنيب العنصرى بحق فلسطينيى الداخل، ولا وكلاهما بلا معنى إن حُوفظ للمُتشدّدين على امتيازات من خارج أُفق الدولة والديمقراطية أصلاً.
خان نتنياهو كل شىء فى سبيل البقاء، ويريد خصومه أن يُعاقبوه، ولا سبيل لديهم إلا بالانتقاء من الخيانات الثلاث المعروضة عليهم.
بلد طلع من دمٍ، ويغرق فيه، وسيظل ينتقل من خيانة لأخرى إلى أن يتداوى بالعدل، أو يتدَاعى تحت أثقال الظُلم.
كُلهم من طينة واحدة، لا شىء إلا أنهم يختارون دومًا بين شرور مُتعدّدة، ولا خير أصلاً على لائحة الاختيارات.

