التأييد هنا لا يقوم على ماهية العاطفة، وإنما يعد تقديرًا عميقًا واصطفافًا واعيًا، ينطلق من قراءة موضوعية لمسيرة وطن عبر أمواجًا عاتية بهدوء الواثق وثبات المقتدر، وتدور حقيقة هذه الرؤية حول ضرورة مواصلة المسيرة دون التوقف عند محطة زمنية بعينها؛ لأننا نرى أن ثمة أسبابًا وجيهة ووطنية عميقة تدعونا إلى المطالبة باستمرارية هذا النهج القيادي الذي قاد سفينة البلاد بسلام، ولا يزال أثره الرشيد ممتدًا في مفاصل الدولة المصرية حتى اليوم، كما يستند هذا المنظور الوطني إلى دعائم راسخة صاغتها التجربة الواقعية والإدراك الدقيق لطبيعة المرحلة، وتفرضها المنطلقات الأساسية لفلسفة هذا الطرح بغية تأمين الغد وحماية مكتسبات النهضة الشاملة من أي تقلبات قد تعترض مسار التقدم والازدهار.
وتتأسس فلسفة هذا الدعم والتأييد على معيار رئيس يظهر في مقاربة صورة الجمهورية الجديدة الآن عما كانت عليه في سابق عهدها، ومقارنة أحوالها في إطار ما استجد من تحديات وتهديدات خطيرة، وما آلت إليه أوضاع الأقطار من حولنا من تفكك وصراعات مريرة، بينما بقيت مصر راسخة الأركان، ثابتة المؤسسات، عصية على الانكسار أو التراجع أمام العواصف العاتية؛ فلم يكن هذا الصمود وليد المصادفة، ولكنه جاء ثمرة نظرة ثاقبة وعمل دؤوب أعاد للكنانة هيبتها ومكانتها الإقليمية المرموقة، وحافظ على وحدة نسيجها المجتمعي وتلاحم أبنائها في مجابهة أعاصير الفوضى التي ضربت المنطقة، ليظل هذا النموذج الفريد شاهدًا على قدرة الإرادة الشعبية والسياسية في تحويل المحن القاسية إلى منح تاريخية تعزز مناعة الدولة وتصون كيانها العريق من كافة المخاطر والأنواء المحدقة بها.
وتؤكد ركائز هذا التوجه الفكري الداعم أن فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي له رؤية تستند إلى الحكمة البالغة وقوة البيان وسداد البصيرة، وهي الفطنة التي لم تغرق الأمة في أتون نزاعات طاحنة هدمت أوطانًا كانت مطمئنة، ولكنها آثرت منطق الدولة الوطنية الرشيدة التي تحسب خطواتها بميزان المصلحة العليا دون تفريط أو اندفاع؛ فانتهجت مسارًا متزنًا يجمع بين الحسم في مواجهة الأخطار والأناة في معالجة الأزمات المستعصية، ليكون هذا العقل الاستراتيجي بمثابة الدرع الحصين الذي جنب المواطنين ويلات الحروب العبثية والمغامرات غير المحسوبة، ووجه طاقات المجتمع وموارده الذاتية نحو التعمير والإصلاح؛ فتترسخ بذلك فلسفة حكم حكيم تقدم سلامة الأرض وأمن أهلها واستقرار معيشتهم على كل ما عداه من اعتبارات لا تخدم تطلعات الحاضر ولا تلبي طموحات المستقبل.
وتبرهن رؤية هذا المسار القومي على أن فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي متمسك تمسكًا كاملًا بسلام الحق والقوة؛ فلا تنازل عن حبة رمل واحدة من ترابنا الغالي، ولن نجد تراجعًا عن مبدأ أصيل يقترن بقضية الأمة العربية قاطبة، في معادلة دقيقة تجمع بين بناء القوة الرادعة والحفاظ على السلم والأمان الإقليمي؛ فالسلام الحقيقي في عقيدة الحكم لا يستقيم بغير درع سابغة تحمي الحدود وتردع الأطماع وتصون السيادة من أي عدوان محتمل، ولهذا حرصت مؤسسة الرئاسة على تحديث قدرات القوات المسلحة وتنويع مصادر تسليحها وفق أحدث النظم العالمية، لتبقى أرضنا عزيزة منيعة تدافع عن العدل، وتشيد صروح النماء، وترعى حقوق الشعوب الشقيقة في العيش الكريم والأمن المنشود بعيدًا عن منطق الهيمنة أو التفريط في الثوابت الوطنية الراسخة التي خطها الأجداد بدمائهم الزكية.
ويتحدد مناط هذا الموقف المؤيد عبر عقيدة الإيمان الخالص بالوطن، لا الهرولة وراء مكاسب شخصية تزول حتمًا بغياب الإنسان عن حياة زائلة تحكمها سيرة تاريخ تليد تتوارثه الأجيال جيلًا بعد آخر، وهو ما يجعل المسؤولية العامة تكليفًا وطنيًا يرتبط بحاجة الديار الفعلية لا برغبة المنصب أو التمتع بمزاياه؛ فالحكم في معناه السامي تضحية موصولة وعطاء ممتد في سبيل رفعة الجماعة الوطنية وصون كرامتها، وحينما تتجرد النوايا من الأهواء الذاتية والمطامح الفردية، تصير الممارسة السياسية عملًا رساليًا يقصد به وجه الله تعالى ومصلحة العباد، وتتحول أعباء الأمانة الثقيلة إلى واجب مقدس يقتضي اليقظة والسعي ليل نهار لحماية مقدرات الشعب وتلبية تطلعاته المشروعة نحو الرقي المنشود، والسمو بمكانة البلاد لتتبوأ منزلتها اللائقة بين سائر الأمم.
وتبرز حتمية هذا الاصطفاف في استكمال مشروع البناء والتنمية الشاملة؛ فقد شهدت ربوعنا إطلاق مشروعات قومية كبرى غير مسبوقة في البنية التحتية، وشبكات الطرق والمحاور والموانئ، والطاقة، والرقعة الزراعية، والمدن الجديدة، وتوطين الصناعة الحديثة، وهذه الإنجازات العملاقة تشكل دورة إعمار استراتيجية طويلة الأمد لم تكتمل جميع حلقاتها المترابطة بعد، ومواصلة القيادة صاحبة الفكرة التأسيسية لهذا المشروع النهضوي تضمن تناغم التنفيذ، وحماية المكتسبات التنموية من أي تباطؤ، والوصول بها إلى مرحلة جني الثمار الاقتصادية الكاملة دون تعثر إداري أو تغيير في الأولويات الكلية، ليؤتي هذا الغرس أكله نموًا وازدهارًا يلمسه الفرد في معيشته اليومية، وتستفيد منه القطاعات الإنتاجية والخدمية في شتى أرجاء المعمورة، بما يرسخ قواعد الاقتصاد القومي ويعزز قدرته التنافسية في الأسواق الإقليمية والدولية الكبرى على المدى البعيد.
ويستقيم منطق هذا الالتفاف حول القيادة السياسية حين نستحضر دقة الظرف الإقليمي والدولي الراهن ومقتضيات الأمن القومي؛ فالإقليم يمر اليوم بمرحلة هي الأكثر تعقيدًا واضطرابًا في تاريخه الحديث، مع تصاعد التهديدات على مختلف الاتجاهات الاستراتيجية الشرقية، والغربية، والجنوبية، فضلًا عن التحولات المتسارعة في بنية النظام العالمي، وفي مثل هذه المنعطفات التاريخية الدقيقة، تصبح الخبرة المتراكمة في إدارة الأزمات، والقدرة على قراءة التوازنات الجيوسياسية، وشبكة العلاقات المتوازنة التي أرستها القيادة السياسية بعناية فائقة، صمام أمان لا غنى عنه للحفاظ على استقرار الدولة وحماية حدودها ومقدراتها السيادية؛ فالتعامل مع تلك البيئات المضطربة يستلزم ربانًا ماهرًا يدرك خفايا السياسة الخارجية، ويحسن توظيف أوراق القوة الشاملة لمصر بما يحفظ مصالحها الحيوية ويدفع عنها غوائل الفتن والمؤامرات المحيطة بها من كل صوب وحدب في هذا العصر المتقلب.
ويتضح مضمون هذا التوجه الإنساني في ترسيخ العدالة الاجتماعية وبناء الإنسان على أسس سليمة؛ فلا تقتصر معركة البقاء والنهوض على التشييد العمراني فحسب، ولكنها تمتد إلى إعادة صياغة جودة معيشة المواطن عبر مشروعات تنموية وخدمية شاملة تستهدف الارتقاء بمستوى الحياة وتطوير البنية الاجتماعية، كما أن تواصل الإرادة الداعمة لهذه الملفات الحيوية يضمن عدم تراجعها أمام الضغوط والتحديات الخارجية، ويحافظ على تماسك الجبهة الداخلية وعافيتها؛ فالفرد المعتز بوطنه هو غاية النهضة ووسيلتها الأولى، والارتقاء بوعيه ومقومات حياته الأساسية يظل الضمانة الحقيقية لرفعة المجتمع ومنعته في الحاضر والمستقبل، مع تأكيد حقوق الفئات الأكثر احتياجًا في الرعاية الكاملة والعيش الآمن تحت مظلة وطنية جامعة.
وتتحدد غاية هذا الاصطفاف في تثبيت دعائم مؤسسات الحكم وتعزيز مناعتها في مواجهة الأزمات الدولية المتلاحقة؛ فقد أثبتت التطورات والتحديات العالمية في الآونة الأخيرة أن وجود قيادة تمتلك الجرأة والشجاعة في اتخاذ القرار الإصلاحي والقدرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية العنيفة كان عاملًا حاسمًا في عبور الدولة لتلك العواصف بأقل الخسائر الممكنة، ومن ثم، فإن المطالبة بالاستمرارية تنبع من إدراك موضوعي بأن مرحلة الحصاد وتثبيت الاستقرار الشامل تتطلب اليد الأمينة ذاتها التي تحملت عبء التأسيس والعبور في أصعب الأوقات، لتستكمل ما بدأته من إصلاحات هيكلية تعزز استقلالية الإرادة الوطنية وتصون حقوق الأجيال المقبلة من التقلبات الحادة التي يشهدها العالم المعاصر على الدوام في ظل المتغيرات الجذرية.
إن الاصطفاف خلف فخامة الرئيس ودعم مواصلة مسيرته دون التوقف عند محطة زمنية محددة يعد في حقيقته إيمانًا عميقًا بمشروعه الوطني الشامل، وانحيازًا لاستقرار الجمهورية وأمنها القومي ومستقبل أجيالها؛ فحين تكون القيادة قد خبرت وعورة الدرب، وحفظت الأمانة بشرف وإخلاص، وصانت تراب الكنانة في أحلك الظروف وأشدها قسوة، يصبح التمسك باستمرار عطائها موقفًا وطنيًا تفرضه الموضوعية، وتمليه مصلحة الوطن العليا التي تعلو فوق كل اعتبار؛ فالأمم العظيمة تشيد بتراكم الخبرات وتواصل الإنجازات عبر السنين، ومصر التي استعادت عافيتها ومكانتها اللائقة بين الدول جديرة بأن تمضي في طريق تقدمها برعاية حكيمة واجهت الصعاب الجسام، وعقدت العزم على العبور بالشعب الأبي نحو فجر مشرق يليق بعراقة تاريخنا المجيد وتضحيات أجدادنا العظام على مر العصور.

