تفتتح الدولة المصرية مرحلة جديدة من العمل التشاركي البناء عقب القرار الرئاسي السامي الذي أصدره فخامة الرئيس السيسي باعتماد انعقاد منتدى مصر بصفة دورية كل عام، ليكون تجمعًا وطنيًا ثابتًا يلتقي فيه المواطنون والمسؤولون والخبراء على طاولة حوار تفاعلي واحدة، وتهدف هذه الخطوة المفعمة بالحكمة إلى الاستماع المباشر لمطالب الشارع المصري وتبادل الرؤى والأطروحات والأفكار والآراء العلمية حول مسارات النهضة الشاملة؛ فالتواصل المفتوح بين القيادة السياسية وأبناء الوطن يعزز الثقة المتبادلة ويجعل المواطن شريكًا أصيلًا في صياغة القرارات التنموية وتقييم السياسات العامة، وتنعكس ثمار هذا التلاقي الفكري إيجابيًا على جودة المبادرات الحكومية وملاءمتها لتطلعات الأسر في مختلف ربوع الدولة، لينطلق التخطيط التنفيذي من أرضية واقعية تلبي الاحتياجات الفعلية للمجتمع المصري وتصنع مستقبلًا مشرقًا للأجيال القادمة.
وتتكامل هذه المنهجية التشاركية مع التوجيه الرئاسي بطرح ملف قطاعي مستقل للنقاش المجتمعي والمؤسسي على مدار كل شهر من شهور السنة، ليجتمع المختصون وصناع القرار وأصحاب المصلحة في جلسات حوارية معمقة تتناول قضايا كل قطاع بتفاصيلها الدقيقة، ويسهم هذا الانتظام الشهري في مراجعة معدلات الأداء التنفيذي للوزارات والهيئات الحكومية بصورة متواصلة، مع رصد العقبات الإجرائية أو الميدانية التي قد تعترض مسار العمل ومعالجتها بالحلول الناجزة؛ فالمتابعة الدورية تضمن بقاء الملفات الحيوية تحت دائرة الضوء وتمنع البيروقراطية الإدارية، كما تفتح الباب أمام الباحثين والمواطنين لتقديم مقترحاتهم العملية التي تثري خطط التطوير القطاعي، ليصبح تقييم السياسات العامة ممارسة مؤسسية تواكب المتغيرات وتدفع عجلة الإصلاح الإداري نحو غاياتها المنشودة في كافة المجالات.
وتنتقل مخرجات هذا الحوار الوطني من حيز التوصيات النظرية إلى حيز التكليفات الرئاسية الملزمة للأجهزة التنفيذية كافة، فقد تعهدت الحكومة بترجمة تلك النتائج خلال الأعوام الثلاثة المقبلة إلى برامج عمل تطبيقية ترتبط بجداول زمنية محددة ومؤشرات قياس دقيقة، وتلتزم الوزارات المعنية بتحمل مسؤولياتها الكاملة أمام القيادة السياسية والرأي العام لتحقيق المستهدفات المقررة؛ ولأجل ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة المجتمعية، بادرت الدولة بإطلاق بوابة إلكترونية مخصصة لمتابعة تنفيذ توصيات المنتدى، ليستطيع كل مواطن الاطلاع بسهولة ويسر على خطوات الإنجاز الفعلي ونسب التقدم في المشروعات الموزعة على مختلف القطاعات الحيوية بالدولة، وتكشف هذه الآلية الرقابية الحديثة عن إرادة سياسية جادة تسعى إلى تحويل طموحات الجماهير إلى واقع ملموس يشعر به الجميع في حياتهم اليومية دون تأخير أو إبطاء أو تأجيل.
ويقترن هذا التوجه المؤسسي بتحرك مالي فاعل يرمي إلى تحقيق العدالة المكانية بين شتى الأقاليم المصرية، بعد أن تقرر تخصيص ميزانية توجه بصورة مباشرة لتلبية الاحتياجات التنموية والخدمية العاجلة في المدن والقرى بجميع محافظات الجمهورية، ويعمل هذا التمويل على تقليص الفجوات التنموية التي عانت منها بعض المناطق البعيدة خلال فترات سابقة؛ فتتحسن شبكات المرافق العامة وترتقي الخدمات المحلية التي يحتاجها المواطن في معيشته اليومية، كما توفر هذه المخصصات المالية مرونة كبيرة للإدارات المحلية في الاستجابة الفورية لمطالب الأهالي الملحة وصيانة البنية الأساسية، ليشهد الريف والحضر نهضة عمرانية وخدمية متوازنة تضمن توزيع ثمار النمو الاقتصادي بعدالة وإنصاف على كل شبر من أرض مصر العزيزة وترفع مستوى جودة الحياة لقاطنيها.
وتتوالى القرارات الداعمة لتحسين المستوى المعيشي للعاملين بالدولة عبر خطة طموحة تستهدف رفع الحد الأدنى للأجور تدريجيًا، وتخص هذه الحزمة الإصلاحية بناة العقول وحراس الصحة برعاية استثنائية؛ فتشمل إعداد جدول تدريجي لصرف حوافز مالية للمعلمين تتناسب مع أعبائهم الوظيفية ليبلغ الحد الأدنى مناسبًا لتوفير نمط معيشي مقبول، بالتوازي مع زيادة متوسط إثابة الكوادر الطبية، إلى جانب الارتقاء بدخول أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم بالجامعات المصرية تقديرًا لرسالتهم السامية في بناء الأجيال ونهضة البحث العلمي وتخفيف الضغوط الاقتصادية عن كاهل الفئات الوظيفية المنتجة في ربوع الوطن.
وتواكب زيادات الأجور إجراءات حكومية حاسمة لضبط الأسواق ومكافحة الغلاء، من خلال تمديد مبادرات تخفيض أسعار السلع الأساسية، وتؤكد الدولة التزامها الثابت بالحفاظ على القيمة المالية للدعم دون أي انتقاص يمس حقوق البسطاء؛ فتعمل الوزارات المختصة على تحديث منظومة الدعم النقدي والسلعي ومنظومة الخبز المدعم وحوكمة قواعد بيانات المستفيدين بدقة عالية، لضمان وصول المساندة الحكومية الفعلية إلى الفئات المستحقة دون تسرب أو إهدار، ويساعد هذا التوازن الدقيق بين وفرة المعروض السلعي واستقرار الأسعار وحماية منظومة التموين في صون القوة الشرائية للأسرة المصرية وتأمين متطلباتها المعيشية الأساسية بيسر وكرامة في مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية والتحديات الإقليمية المحيطة بنا في الوقت الراهن.
وتمتد مظلة الرعاية الاجتماعية لتشمل ملايين الأسر المصرية المستفيدة من برنامج التحويلات النقدية المشروطة تكافل وكرامة، مع ربط هذه المساندة المالية ببرامج التمكين الاقتصادي الفاعلة التي تنقل الأسر المستفيدة من دائرة الاحتياج والعوز إلى ميادين العمل الحر والإنتاج المستقل، وتتعزز هذه الجهود الإنسانية بإطلاق وزارة التضامن الاجتماعي لمبادرة بكرة المدرسة التي تستهدف مساندة أبناء الأسر الأولى بالرعاية وتوفير كافة مستلزماتهم وأدواتهم الدراسية قبل انطلاق العام الدراسي؛ فالدولة تحرص على عدم حرمان أي طالب من حقه الأصيل في التعلم والتفوق بسبب الظروف المادية لأسرته، لتتكاتف بذلك آليات الدعم النقدي والرعاية التعليمية في حماية النسيج المجتمعي وصناعة غد أفضل للأبناء وتعزيز تكافؤ الفرص بين جميع الطلاب في مختلف المراحل الدراسية بالمدارس المصرية.
وتتجه بوصلة التمكين الاقتصادي نحو فتح أسواق جديدة ومعارض متخصصة ومنصات تسويقية حديثة لدعم منتجات الأسر المنتجة والسيدات الحرفيات، سعيًا لترويج الصناعات التراثية واليدوية المصرية وتحقيق عائد مالي وفير لصانعيها، وتترجم المشروعات التشغيلية الموجهة هذه الفلسفة التنموية على أرض الواقع؛ فيبرز المشروع التنموي بمحافظة الفيوم نموذجًا عمليًا يوفر ألفي فرصة عمل كريمة للسيدات المنتميات لأسر تكافل وكرامة، مع تخصيص نسبة خمسة بالمائة من الوظائف لذوي الإعاقة وتجهيز حضانات نموذجية لرعاية أطفال العاملات أثناء ساعات العمل، وتؤكد هذه المبادرات المتكاملة حرص الدولة على دمج المرأة وذوي الهمم في عجلة الإنتاج الوطني وتذليل كافة العقبات الأسرية والاجتماعية التي قد تعوق مشاركتهم الفاعلة في تنمية مجتمعاتهم المحلية وزيادة دخل الأسرة الريفية والارتقاء بمستواها الاقتصادي والاجتماعي المنشود.
وتكتمل حلقات الأمان المجتمعي بتعزيز منظومة الأمن الغذائي ومساندة الفلاح المصري عبر مبادرة ازرع التي ترعى الآلاف من صغار الزراع في كافة المحافظات، وتركز هذه المبادرة الوطنية على التوسع في زراعة محصول القمح الاستراتيجي وتزويد المزارعين بالتقاوي المعتمدة والإرشاد الزراعي الحديث لمضاعفة إنتاجية الفدان وزيادة أرباحهم، ويتزامن هذا الدعم الزراعي الميداني مع تقديم التخدل الغذائي للفئات الأكثر احتياجًا في القرى والنجوع؛ فتتضافر جهود زيادة الإنتاج الزراعي المحلي مع شبكات الإمداد الغذائي المباشر لبناء منظومة وطنية متكاملة تحمي الأمن الغذائي المصري في مواجهة تقلبات سلاسل الإمداد العالمية والتغيرات المناخية المتلاحقة، وتضمن توافر الغذاء الصحي الآمن لكل مواطن على أرض الوطن.
وهناك خطوات تنفيذية جادة لإصلاح البيئة المدرسية، عبر وضع جدول زمني حاسم لإنهاء نظام الفترات المسائية بالمدارس تدريجيًا، لينتهي العمل بهذا النظام في المرحلة الابتدائية، ثم في المرحلة الإعدادية، وصولًا إلى المرحلة الثانوية، كما كلفت القيادة السياسية الهيئة العامة للأبنية التعليمية بتحديث وتطوير جميع المنشآت المدرسية الحكومية وفق معايير الجودة الشاملة بالتعاون الوثيق مع القطاع الخاص والمجتمع الأهلي؛ ليجد التلميذ المصري مناخًا تعليميًا آمنًا وجاذبًا يساعده على الاستفادة المثلى من ساعات اليوم الدراسي وتنمية قدراته الذهنية ومواهبه الفكرية والرياضية في فصول مجهزة وعصرية تحقق طموح الأسرة المصرية.

