موجة غضب حادة تجتاح عددًا كبيرًا من دول أوروبا، وتظاهرات هنا وهناك من قطاعات مختلفة بمقدمة صفوفها قطاع الطلبة والشباب، ولكن: الغريب بالأمر، أنه عندما تدقق لتتعرف على أسباب تظاهرات ما بمكان معين، لا تجد أنه سبب واحد ولا اثنين، بل ربما ثلاث أو أربعة أسباب قد اجتمعت كلها واتفقت ضمنًا أو عمدًا أن تخرج لتعبر عن براكين الغضب التي تسكنها لهذا السبب أو ذاك.
فعلى سبيل المثال: ما شاهدناه بفرنسا بالأيام الماضية كان نموذجًا واضحًا لتلك التقاطعات الثورية، فقد كان هناك قطاع محتج على غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية لعدم تكافؤ مستويات الدخل مع ارتفاع الأسعار الكبير، وقطاع آخر كانت دوافعه ومسببات غضبه تراجع مستويات التعليم بفرنسا وتدهور تصنيفاتها بشكل استثنائي، ما لا يتناسب على الإطلاق مع كونها بلاد العلم والثقافة والفنون ووجهة تعليمية ذات شأن كبير لراغبي الحصول على تعليم مميز من مختلف أنحاء العالم، وقطاع ثالث قد خرج لإحياء الذكرى السنوية الثامنة لحركة ذوي السترات الصفراء الثورية التي كانت قد اندلعت بشكل واسع في عام 2018، وقطاع رابع خرج ليعلن عن رفضه للرئيس وسياساته وحكومته، وآخر قد كانت دوافعه التنديد بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وما يرتكبه الصهاينة من أعمال إجرامية على مرأى ومسمع من العالم.
كما تشهد ألبانيا حاليًا احتجاجات واسعة ومظاهرات ضخمة تُعرف باسم «ثورة الفلامنغو»، والتي اندلعت في مايو 2026 وتحولت إلى أزمة سياسية وشعبية تطالب باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما وتحسين الظروف المعيشية، حيث كانت بداية الاحتجاجات في 31 مايو 2026 اعتراضًا على مشروع فاخر ومثير للجدل في محمية طبيعية مرتبط بأسماء أجنبية بارزة مثل جاريد كوشنر وإيفانكا ترامب، ثم توسعت المطالب لتتحول إلى حملة أوسع ضد الفساد والجريمة المنظمة وتدهور الأوضاع المعيشية، وانضم إليها آلاف الطلاب الجامعيين، وتصاعدت المواجهات بعد ذلك لتشهد العاصمة والمدن الألبانية تظاهرات حاشدة تجاوز عدد المشاركين فيها مئات الآلاف، تخللتها اشتباكات مع الشرطة واستهداف لمؤسسات حكومية، لتصبح ألبانيا أيضاً نموذجاً حيًا لتعدد أسباب الغضب التي تتقاطع مع بعضها وتنتج عنها حالة غضب موحدة.
إذ تحولت الموجة إلى عدة موجات وعدوى انتقلت من بلد لآخر لإعلان الرفض على تردي الأحوال الاقتصادية وتحمل الشعوب لتبعات غطرسة الطغاة الذين يتصارعون فيما بينهم على السطوة السياسية، تلك التي دفعتهم إلى استنزاف مقدرات بلادهم وأقوات شعوبهم. فمن فرنسا لإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا والبرتغال واليونان وألبانيا وصربيا، ولا تزال الموجة مستمرة وأسباب الغضب في تشابك وتصاعد غير محدود.

