من بين القضايا العديدة التى طرحها منتدى مصر 2026، استوقفتنى جلسة “الثقافة ومنظومة القيم الاجتماعية”، التى حضرتها وتابعت مناقشاتها، لما حملته من أسئلة تتصل بصورة مباشرة بحياتنا اليومية، وبالإنسان المصرى الذى يمثل غاية كل مشروع للتنمية، فالقيم التى نتحدث عنها كثيرًا، ونستدعيها كلما شعرنا بتحول فى سلوك المجتمع، تحتاج إلى قراءة أعمق لطبيعة تكوينها، والمؤسسات المسؤولة عن ترسيخها، والمسافة التى تفصل بين حضورها فى الخطاب العام وتجلياتها فى الحياة.
وأحسب أن أهمية هذه الجلسة تبدأ من موقعها ضمن محور “بناء الإنسان”، وهو اختيار يحمل دلالة واضحة على اتساع مفهوم التنمية، وارتباطه بالمعرفة والوجدان والسلوك، وبقدرة المجتمع على إنتاج المعنى، فالمشروعات الكبرى تحتاج إلى إنسان يمتلك الوعى بما يتحقق من حوله، ويستطيع المشاركة فى تطويره والحفاظ عليه، ومن هنا تصبح الثقافة عنصرًا أصيلًا فى عملية البناء، بما تتيحه من معارف وخبرات وقيم مشتركة.
وقد بدا لافتًا أن الجلسة، التى أدارها الكاتب الكبير محمد سلماوى، جمعت أطرافًا مختلفة من المؤسسات الثقافية والدينية والإعلامية والفنية، وهو ما يعكس طبيعة القضية المطروحة، فالقيم تتشكل عبر شبكة واسعة من العلاقات والتأثيرات، تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والجامعة والمؤسسة الدينية والعمل الفنى ووسائل الإعلام، وتستمر فى التفاعل مع المتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية.
وكان من المهم أن يضع الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، يده على جوهر العلاقة بين الثقافة والقيم، حين وصف القيم بأنها العمود الفقرى للثقافة، وربطها بالاحترام والثقة والتعاطف. وأرى أن هذه الفكرة تستحق التوقف عندها، لأنها تنقل الحديث عن الثقافة إلى مجال العلاقات الإنسانية، وتضعنا أمام حقيقة أن المجتمع يتماسك بما يملكه أفراده من قدرة على التفاهم والتعاون والثقة المتبادلة.
ولعل قيمة الثقة تحديدًا تستحق اهتمامًا أكبر فى أى حديث عن بناء الإنسان، لأنها تتصل بعلاقة المواطن بالمؤسسات، وبعلاقته بالآخرين، وبإحساسه بالعدالة وتكافؤ الفرص. فالقيم تعيش فى الممارسة اليومية، وتتأكد عندما يجد الإنسان أثرها فى المدرسة والشارع والعمل والخدمات العامة، وعندما تصبح المسؤولية والاحترام والالتزام جزءًا من طبيعة التعامل بين الناس.
أما ما طرحه الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالى والبحث العلمى والقائم بأعمال وزير الثقافة، فقد حمل أهمية خاصة، حين أكد أن الثقافة مشروع دولة، وأن تأثيرها ينبغى أن يصل إلى الريف والصعيد والمناطق الحدودية، وطرح سؤالًا عن طبيعة التأثير الثقافى فى العقل الجمعى للمصريين قبل عشرين عامًا، وكيف أصبح هذا التأثير اليوم.
هذا السؤال، فى تقديرى، من أهم ما قيل فى الجلسة، لأنه يفتح المجال أمام مراجعة حقيقية لأدوات العمل الثقافى، ولطبيعة الجمهور الذى نخاطبه، وللقدرة على صناعة التأثير. فنحن بحاجة إلى معرفة ما الذى تغير فى علاقتنا بالكتاب والمسرح والسينما والفنون، وكيف تشكلت الأذواق الجديدة، وما الذى تحتاجه المؤسسات الثقافية حتى تستعيد حضورها فى الحياة اليومية للناس.
وجاء حديث قنصوة عن الإقبال الجماهيرى على المسرح، واستشهاده بعرض “الملك لير”، ليؤكد استمرار الحاجة إلى الفن الجاد، وهى مسألة تستحق البناء عليها، خاصة مع إعلانه الاتجاه إلى إعادة المسرح الجامعى. وأتصور أن الجامعة يمكن أن تكون نقطة انطلاق مهمة لمشروع ثقافى جديد، لأنها تضم أجيالًا تتشكل رؤيتها للعالم، وتحتاج إلى مساحات للتعبير والتجريب واكتشاف المواهب، وإلى أن تكون الثقافة جزءًا من تجربتها الإنسانية والتعليمية.
وفى السياق نفسه، أثار حديث ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، عن وسائل التواصل الاجتماعى، ووصفه لها بأنها “كائن مسخ” يلتهم الإعلام والثقافة الحقيقيين، قضية بالغة الأهمية تتعلق بالتحول الذى أصاب وسائل إنتاج المعرفة وتداولها.
وأرى أن خطورة هذه الظاهرة تتصل بطبيعة المحتوى الذى يصل إلى الناس، والمعايير التى تتحكم فى انتشاره، وقدرة المؤسسات الإعلامية والثقافية على المنافسة والتأثير. فالمنصات الرقمية أصبحت واقعًا أساسيًا فى حياة الأجيال الجديدة، وتتيح فرصًا واسعة لنشر المعرفة والإبداع، مثلما تتيح انتشار المعلومات المضللة والمحتوى السطحى. وهنا تتأكد أهمية ما دعا إليه رشوان من التمسك بالمهنية والصدق وفتح الحوار مع صناع المحتوى.
والمسألة، فى جوهرها، تتعلق بقدرتنا على إنتاج محتوى يمتلك القيمة والجاذبية معًا، ويخاطب الشباب بلغتهم، ويمنحهم مساحة للمشاركة، ويستفيد من الأدوات الحديثة فى تقديم المعرفة. فالأجيال الجديدة تتعامل مع عالم تتدفق فيه المعلومات بصورة مستمرة، وتحتاج إلى امتلاك أدوات النقد والتحليل والتمييز، وإلى مؤسسات تدرك طبيعة هذا العالم وتستطيع التفاعل معه.
وقد وجدت فى حديث الكاتبة سماح أبو بكر عزت عن أدب الأطفال، وأهمية الخيال والسؤال فى تشكيل الوعى، مدخلًا مهمًا لفهم الطريقة التى تنتقل بها القيم بين الأجيال. فالطفل يتعلم من الحكاية والموقف والصورة والسلوك الذى يراه أمامه، وتمنحه القراءة فرصة لاكتشاف العالم، والتعرف على مشاعر الآخرين، وتكوين رؤيته الخاصة للأشياء.
وتتقاطع هذه الفكرة مع ما طرحته الفنانة نسمة محجوب حول مسؤولية الفن وتأثيره فى الشباب، وأن الفن يفتح المجال للتساؤل والتفكير. وهى رؤية أراها شديدة الأهمية، لأن الفن يمتلك قدرة خاصة على الوصول إلى الوجدان، وتقديم التجارب الإنسانية فى صورتها المركبة، بما فيها من اختلافات وتناقضات وأسئلة، ومن خلال هذه التجربة تتكون لدى المتلقى قدرة أوسع على الفهم والتعاطف.
وفى هذا الإطار أيضًا، تكتسب مداخلة المخرج خالد جلال عن دور الفن فى مواجهة الشائعات دلالتها، باعتبار الفن وسيلة لبناء الوعى وتنمية الحس النقدى، بما يملكه من قدرة على تقديم الأفكار داخل تجارب إنسانية قريبة من الناس.
وكان لحضور المؤسسات الدينية فى الجلسة أهمية واضحة، خاصة ما طرحه الدكتور أسامة الأزهرى، وزير الأوقاف، عن تجديد الخطاب الدينى وتصحيح المفاهيم، وما تحدث عنه الدكتور محمد عبد الدايم الجندى، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، بشأن تحويل القيم إلى سلوك وقياس أثر المبادرات، إلى جانب حديث الأنبا ميخائيل، أسقف حلوان والمعصرة، عن دور الأسرة والطفل والتعاون المجتمعى.
وقد أظهرت هذه المداخلات مساحة واسعة للعمل المشترك، انطلاقًا من القيم الإنسانية التى يتشارك فيها المصريون، وفى مقدمتها الاحترام والتسامح والتكافل وقبول الاختلاف. وتبدو أهمية هذا التعاون فى قدرته على الوصول إلى الناس من خلال مؤسسات قريبة من حياتهم، وعلى تقديم نماذج عملية تعزز هذه القيم فى الواقع.
وبعد متابعة هذه المناقشات، أجد أن السؤال الذى يستحق أن يشغلنا خلال المرحلة المقبلة هو كيف يمكن تحويل ما طرحته الجلسة إلى مشروع واضح لبناء الوعى الثقافى؟ وكيف تستطيع المؤسسات المختلفة أن تتكامل فى عملها، وأن تقدم مبادرات يمكن قياس نتائجها ومتابعة أثرها؟
فالنجاح الثقافى يحتاج إلى أدوات قياس تتجاوز عدد الفعاليات والجمهور الحاضر، وتمتد إلى استمرار المشاركة، واتساع الوصول إلى المحافظات والمناطق الأقل حظًا من الخدمات الثقافية، وتطور علاقة الأطفال والشباب بالقراءة والفنون، وقدرة المؤسسات على بناء الثقة والتواصل مع المجتمع.
كما أن الحديث عن منظومة القيم يستدعى فهم التحولات التى يعيشها المجتمع، والتمييز بين التغير الطبيعى فى أنماط الحياة وبين السلوكيات التى تؤثر فى العلاقات الإنسانية. فلكل جيل طريقته فى التعبير ووسائله فى التواصل، وتبقى الحاجة قائمة إلى منظومة مشتركة تحمى كرامة الإنسان، وتفتح المجال للتنوع والإبداع والمسؤولية.
وأعتقد أن أهم ما حققته جلسة “الثقافة ومنظومة القيم الاجتماعية” أنها أعادت طرح الثقافة بوصفها قضية تتصل بمستقبل المجتمع كله، وفتحت بابًا للنقاش حول علاقتها بالتعليم والإعلام والدين والفنون، وحول الأدوات التى يمكن أن تجعل أثرها حاضرًا فى حياة المصريين.
وتبقى القيمة الحقيقية لهذا النقاش مرتبطة بما سيأتى بعده، وبقدرتنا على تحويل الأفكار إلى برامج، والتصورات إلى سياسات، والوعى بأهمية الثقافة إلى حضور فعلى لها فى المدرسة والجامعة والقرية والمدينة.
فبناء الإنسان عملية ممتدة، تبدأ من إيمان المجتمع بقيمة المعرفة، وتتجدد مع كل فرصة تتاح للإنسان كى يقرأ ويفكر ويبدع ويشارك، ومع كل ممارسة يومية تعبر عن الاحترام والثقة والمسؤولية.
وهنا تحديدًا أرى أهمية ما طرحه منتدى مصر 2026، فالثقافة تستحق أن تكون فى قلب مشروع المستقبل، وأن تتحول من قضية للنقاش إلى قوة فاعلة فى تشكيله، لأن ما يبقى من كل مشروع حضارى هو الإنسان الذى يفهم معناه، ويؤمن بقيمته، ويستطيع أن يواصل البناء.

