لم تكن معركة التنمية التى خاضتها الدولة خلال السنوات العشر الأخيرة، تسلك طريقا مفروشًا بالتصفيق، ولكن واجهت عواصف من التشكيك التي تغل يدا نهضت لتزرع أرضًا كانت جرداء، أو تشق طريقًا في الفراغ، أو تؤسس مدينة من العدم، ، فتجد من يسأل: لماذا؟ وكم أنفقتم؟ وهل كان هذا هو الوقت المناسب؟ لكن السؤال الأهم لم يكن يومًا: كم أنفقنا؟ بل: كم كان سيكلفنا إن لم نفعل شيئًا؟ فالدول لا تسقط فجأة، وإنما تتآكل ببطء عندما تتوقف عن الحلم، وعندما تؤجل قراراتها الصعبة حتى تصبح مستحيلة، ولأن مصر دولة يقترب عدد سكانها من مائة وعشرين مليون نسمة، فإن أخطر ما كان يمكن أن تفعله هو أن تظل حبيسة شريط ضيق حول نهر النيل، تترقب انفجارها السكاني بينما الأرض كما هي، والمياه كما هي، والفرص كما هي.
تحدي الخروج إلى الصحراء
فهى الاحتياطي الاستراتيجي لمستقبل هذا الوطن، ضمن المخطط الذى انتهجته القيادة السياسية برؤية فذة من قائد سفينة النجاة الرئيس عبد الفتاح السيسي لإعادة صياغة الجغرافيا ذاتها، أراضي جديدة تنبت بالخير ،شبكات طرق عملاقة تربط أطراف البلاد، ومدن ذكية تُبنى وفق معايير المستقبل، وموانئ حديثة تستوعب حركة التجارة العالمية، ومحطات كهرباء ومياه وطاقة تؤمن احتياجات الأجيال القادمة، ومشروعات زراعية وصناعية تعيد تعريف مفهوم الأمن القومي، فى رحلة تنموية من الدلتا الجديدة إلى الوادي الجديد، لرسم خريطة أخرى للوطن لا تعترف بالحدود القديمة ولكن تتحدد معالمها بالمحراث وتتشكل اركانها بالخرسانة، وتُرسم حدودها بالعرق لا بالحبر على الورق.
الظروف المثالية لن تأتي أبدًا
ولم تنتظر الدولة الظروف المواتية حتى تبدأ، لأنها تعلم أن الظروف المثالية لا تأتي أبدًا، لقد بنت في وقت الأزمات، حينما كانت أعتى اقتصادات العالم تعاني الانكماش، ووسعت رقعتها العمرانية والزراعية بينما كان العالم منشغلًا بإدارة تداعيات الأزمات الدولية، انطلاقا من إن الاقتصاد الحديث لا يقوم على رد الفعل، وإنما على الاستثمار طويل الأجل، فالطريق الذي يُنشأ اليوم سيختصر غدًا ساعات من الزمن وملايين الجنيهات في تكلفة النقل، والميناء الذي يُطور اليوم سيجذب استثمارات وفرص عمل لعشرات السنين، والفدان الذي يُزرع اليوم سيقلل فاتورة استيراد الغذاء، ويوفر عملة صعبة، ويخلق سلسلة كاملة من الصناعات والخدمات المرتبطة به.
الخروج من ضيق المكان لرحابة الأفق
ومن ينظرون إلى تكلفة هذه المشروعات، ولا ينظرون إلى عائدها، يشبهون من يحاسب الفلاح على ثمن البذور، قبل أن يرى الحقل بعد الحصاد، هم لا يعلمون إن معركة الأمن الغذائي لم تعد رفاهية، بل أصبحت مسألة وجودية، فكل فدان يدخل الخدمة هو جندي جديد في هذه المعركة وكل محطة مياه هي حصن يحمي المستقبل، وكل طريق جديد هو شريان يضخ الحياة في جسد الاقتصاد الوطني وربما لهذا تبدو العلاقة بين الدلتا الجديدة والوادي الجديد أكثر عمقًا من مجرد تشابه في الاسم، كلاهما يروي الحكاية ذاتها؛ حكاية أمة قررت أن تخرج من ضيق المكان إلى رحابة الأفق، وأن تحول الرمال إلى حقول، والمسافات إلى جسور، والعزلة إلى فرص واعدة.
والحقيقة أن حملات التشكيك التي ترافق أي مشروع كبير ليست ظاهرة مصرية فقط، بل عرفتها كل دول العالم التي خاضت تجارب التنمية الكبرى، عندما بنت الولايات المتحدة سد هوفر، وعندما شقت الصين آلاف الكيلومترات من السكك الحديدية فائقة السرعة، وعندما أعادت الإمارات رسم خريطتها العمرانية، لم يكن الجميع مؤمنًا بالفكرة منذ اللحظة الأولى، لكن الفارق بين الدول التي تتقدم والدول التي تتراجع، أن الأولى تراهن على المستقبل، بينما تظل الثانية أسيرة الخوف من كلفة التغيير، ولهذا، فإن المشروعات العملاقة ليست إنفاقًا استهلاكيًا كما يحاول البعض تصويرها، وإنما هي أصول استراتيجية تزداد قيمتها بمرور الوقت.
الدلتا الجديدة قصة تحدى لجغرافيا المكان
ولعل مشروع الدلتا الجديدة يمثل القلب النابض لهذه الرؤية، فهو لا يستهدف فقط إنتاج المحاصيل الاستراتيجية، وإنما يخلق مجتمعات عمرانية وصناعية جديدة، تعتمد على التكنولوجيا الحديثة، وسلاسل القيمة المضافة، والتصنيع الزراعي، بما يحول المنتج الخام إلى صناعة وتصدير وعائد اقتصادي متكامل، فهو ليس مجرد استصلاح لملايين الأفدنة، وليس مجرد توسع زراعي يضاف إلى السجلات الرسمية، بل هو إعلان سياسي واقتصادي بأن مصر قررت أن تنتقل من مرحلة إدارة الاحتياجات إلى مرحلة صناعة المستقبل وأن تضيف الدولة أكثر من مليوني فدان جديدة إلى رقعتها الزراعية في قلب الصحراء، فهذا ليس رقمًا جامدًا، بل قصة وطن يرفض أن تضيق به الجغرافيا، وأن تُقام محطات عملاقة لمعالجة وإعادة استخدام المياه، وأن تمتد شبكات الطرق والكهرباء لمئات الكيلومترات وسط الرمال، وأن تتحول مناطق لم تكن تعرف سوى الصمت إلى مجتمعات إنتاجية نابضة بالحياة، فهذا ليس مشروعًا زراعيًا فقط، بل كيانا حضاريا متكاملا.
اصنع مستقبلك ولا تلتف للضجيج
لقد أدركت الدولة المصرية أن معركة هذا القرن ليست معركة السلاح وحده، بل معركة الغذاء والمياه والطاقة، وأن الأمم التي لا تنتج قوتها، تظل دائمًا أسيرة لموائد الآخرين، وعندما اهتز العالم تحت وطأة الأزمات الدولية، واضطربت سلاسل الإمداد، وارتفعت أسعار الحبوب والطاقة، اتضح أن الأمن القومي يبدأ من سنبلة قمح، وأن الفدان الذي يُزرع اليوم قد يكون غدًا أكثر أهمية من أي ثروة أخرى، وفي هذا المشهد الممتد من الدلتا الجديدة إلى الوادي الجديد، تبدو مصر وكأنها تعيد اكتشاف نفسها، ليست مصر التي تعيش على ميراثها فقط، وإنما مصر التي تصنع ارثا جديدًا لأبنائها، مصر التي لا تنظر إلى الصحراء باعتبارها فراغًا، بل باعتبارها الصفحة البيضاء التي يمكن أن يُكتب عليها أجمل الفصول، وربما يختلف الناس حول التفاصيل.
وربما تتباين وجهات النظر حول الأولويات، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الرمال الصامتة منذ آلاف السنين، نطقت ليس بلغة السياسة، أو الأرقام والإحصاءات، بل بلغة أبسط وأعمق؛ لغة السنابل التي تنبت في قلب الصحراء، وأشجار النخيل التي تمتد جذورها في أرض كانت بالأمس قاحلة، والبيوت التي أضاءت ليل مناطق لم تكن تعرف سوى العتمة، فعندما تبوح الرمال بسرها تخبرنا، أن الوطن الذي يملك الشجاعة ليزرع في الصحراء، يملك اليقين ليصنع مستقبله، وأن الأمم العظيمة لا تخاف ضجيج يتلاشى لأن ما يبقى هو الأثر، فمن يصنع المستقبل لا يخشى الضجيج.

