اكتب مقالاً عن
أطاح «الذهب غير المرئي» بعرش النفط التقليدي، ليتربع على قمة الاقتصاد العالمي، معلناً بداية عصر جديد، تصاغ فيه القوة والنفوذ عبر خوارزميات البيانات، لا براميل الخام. فبعد عقود طويلة، هيمنت فيها «السبع الشقيقات» وآبار النفط ومصافي التكرير على خارطة النفوذ الجيوسياسي ومفاتيح الثروة منذ منتصف القرن العشرين، عاد المشهد لينقلب رأساً على عقب، مع مطلع الألفية الثالثة، حيث أحدثت الثورة الرقمية تحولاً هيكلياً صامتاً، لتزيح «الذهب الأسود» عن صدارة المشهد، وتستبدله بالبيانات، كأثمن أصل استراتيجي تملكه البشرية اليوم.
إن المقارنة الحية بين القيمة السوقية للشركات القائمة على التكنولوجيا، وتلك القائمة على الموارد الطبيعية، تكشف عن فجوة تزداد اتساعاً. بالنظر إلى المؤشرات المالية، نجد أن القيمة السوقية لشركة ألفابت (المظلة الأم لمحرك البحث «جوجل»)، تخطت عتبة 3.8 تريليونات دولار (وتلامس أحياناً مستويات أعلى، وفقاً لتقلبات السوق الحالية)، وهي الشركة التي تتربع على عرش أكبر مجمع ومنقب عن البيانات في التاريخ.
هذه الأرقام ليست مجرد مفارقة مالية عابرة، بل هي وثيقة إعلان عن الهوية الجديدة للاقتصاد العالمي: البيانات هي الأصل الأعلى قيمة في القرن الحادي والعشرين.
لتفسير هذا الفارق الشاسع في التقييم، يجب تفكيك طبيعة «المادة الخام» التي تقوم عليها كل صناعة. يعتمد نموذج عمل شركات الطاقة التقليدية على استخراج مورد مادي ملموس، يتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة بمليارات الدولارات للبنية التحتية، والمصافي، وناقلات البحار، فضلاً عن كونه مورداً ناضباً، يخضع لتقلبات الجغرافيا السياسية، وقوانين العرض والطلب الصارمة.
على النقيض تماماً، تعمل شركات مثل ألفابت وميتا ومايكروسوفت على موردٍ غير ملموس، لا ينفد، بل يتوالد ذاتياً مع كل نقرة زر، وكل بحث، وكل حركة للمستخدم على الإنترنت. والأهم من ذلك أن «التكلفة الهامشية لإعادة استخدام هذه البيانات تكاد تكون صفراً، فالبيانات التي تُجمع مرة واحدة، يمكن معالجتها واستغلالها آلاف المرات، لإنتاج قيمة مضافة عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي والإعلانات الموجهة، ما يمنح الشركات التكنولوجية قدرة خيالية على التوسع السريع دون قيود مادية.
إذا كانت البيانات هي هذا النفط الجديد، فمن الذي يملك آبارها، ومن يسحب أرباحها؟ ينقسم المستفيدون الحقيقيون من عوائد البيانات إلى تحالف تقوده شركات التكنولوجيا الكبرى وعملاؤها، حيث تذهب كعكة الأرباح التريليونية إلى ثلاث فئات رئيسة: أولاً، قياصرة الإعلانات السلوكية (مثل ألفابت وميتا)، الذين يحولون تفضيلات البشر النفسية إلى «ملفات تعريفية» دقيقة، تُباع للمعلنين عبر مزادات برمجية فورية. ثانياً، مطورو وملاك البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، الذين يؤجرون المستودعات الرقمية، ومراكز البيانات السحابية، لمعالجة وتدريب الشبكات العصبية. وثالثاً، وسطاء البيانات الذين يعملون خلف الكواليس لتجميع البيانات من بطاقات الائتمان والتطبيقات، وإعادة بيعها كحزم جاهزة.
هذه المنظومة تطرح تساؤلاً أخلاقياً وعميقاً حول العدالة التوزيعية، فالبيانات ينتجها مليارات البشر حول العالم مجاناً، عبر أنشطتهم اليومية، ليكون المستخدم في هذا النظام الاقتصادي هو «العامل بالمجان»، الذي يضخ الخام في عروق الشركات، بينما تذهب العوائد والمكاسب الرأسمالية الصافية لعدد محدود من المساهمين والمديرين التنفيذيين في وادي السيليكون.
رغم هذا الصعود الصاروخي، تواجه «شركات البيانات» في الآونة الأخيرة رياحاً عكسية، قد تعيد صياغة المشهد الاقتصادي بكامله. وتتمثل هذه التحديات في محورين شرسين، الأول هو قوانين حماية الخصوصية الصارمة، مثل القانون الأوروبي العام لحماية البيانات (GDPR)، وقانون الخصوصية في كاليفورنيا (CCPA)، والتي بدأت تفرض قيوداً معقدة على كيفية جمع البيانات وبيعها، ما يرفع من تكلفة التشغيل الحر لهذه الشركات. والمحور الثاني هو قضايا مكافحة الاحتكار، حيث تواجه شركات مثل جوجل ملاحقات قضائية تاريخية، بتهمة استغلال هيمنتها على البيانات، لخنق المنافسين وتدمير الابتكار.
باللغة العربية لتسهيل قراءته. حدّد المحتوى باستخدام عناوين أو عناوين فرعية مناسبة (h1، h2، h3، h4، h5، h6) واجعله فريدًا. احذف العنوان. يجب أن يكون المقال فريدًا فقط، ولا أريد إضافة أي معلومات إضافية أو نص جاهز، مثل: “هذه المقالة عبارة عن إعادة صياغة”: أو “هذا المحتوى عبارة عن إعادة صياغة”:

